ـ 90% من الحالات تصل متأخرة بسبب الخوف أو الإنكار
ـ مركز علاج وتأهيل المدمنين استقبل 968 حالة من 38 بلدية خلال 9 أشهر
ـ الضغوط النفسية والاجتماعية مدخل رئيسي لتعاطي المخدرات ويمكن معالجتها بجلسات متخصصة
جهود حثيثة تبذلها عدة جهات، صحية وأمنية، من أجل مواجهة ظاهرة إدمان المخدرات التي انتشرت بشكل ملحوظ حسب تقديرات الخبراء، في ظل تحديات اجتماعية ونفسية معقّدة تدفع عديد الشباب إلى طريق التعاطي.
واجتمع مسؤولو مركز علاج المدمنين ووزارة التربية والتعليم في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» لوضع خطة من أجل تعزيز التوعية بين طلاب المدارس بمخاطر المخدرات والمؤثرات العقلية، وآليات الوقاية منها، إلى جانب بحث تنظيم حملات وطنية مشتركة تستهدف المؤسسات التعليمية في مختلف البلديات.
التوعية.. خط الدفاع الأول
وأعربت الوزارة، في بيان أمس الثلاثاء، عن استعدادها لتسخير إمكاناتها لدعم برامج التوعية بالتعاون مع المركز، من خلال تفعيل دور الاختصاصيين الاجتماعيين والمرشدين النفسيين في المدارس، تنفيذًا لأهداف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات، كما اتفق الجانبان على مواصلة التنسيق خلال الفترة المقبلة تمهيدًا لتوقيع اتفاقية تعاون مشتركة تُعنى بتوعية الطلاب وأولياء الأمور، وتنفيذ برامج إرشادية ونفسية داعمة للأسر، بما يعزز بيئة مدرسية آمنة وصحية.
ويأتي على رأس تلك الجهود جهاز مكافحة المخدرات، إذ يؤكد مدير إدارة شؤون التوعية والوقاية بالجهاز اللواء وليد اقنيجيوه لـ «بوابة الوسط» أن الإدارة «تركّز على محور التوعية باعتباره خط الدفاع الأساسي»، موضحاً أنها تنفذ برامج موجهة للطلاب في المدارس والجامعات باستخدام تقنيات تفاعلية حديثة، إلى جانب ورش عمل للأسر لتعليمها أساليب الاكتشاف المبكر والتعامل مع الحالات.
وأضاف أن الهدف من هذه الندوات هو «بناء مناعة نفسية واجتماعية لدى الطلاب ضد الضغوط والانحراف»، فضلاً عن «تحديد الفئات المعرضة للخطر والتعامل معها مهنياً»، مشدداً على أن «التعاون مع المؤسسات التعليمية والدينية والرياضية والثقافية والأهلية عنصر محوري لترسيخ ثقافة مجتمعية مضادة للمخدرات».
التعاطي.. خطوة صغيرة نحو هاوية الإدمان
من جانبه، أكد مدير إدارة الصحة النفسية والاجتماعية بالمركز الوطني لعلاج وتأهيل المدمنين، عبدالعاطي شكّاب، أن الفارق ليس كبيرا بين المتعاطي والمدمن، موضحاً أن «المتعاطي قد يستخدم المواد المخدّرة في فترات متقطعة، مثل المناسبات، لكنه في الواقع يسير في الطريق نفسه الذي يقود إلى الإدمان».
- مركز علاج المدمنين: استقبلنا 968 حالة خلال 9 أشهر تعافى منها 450
- ليبيا تحارب الإدمان في صمت.. معركة بين الألم والأمل
وأكمل أن «السبب الأول في التعاطي هو الجانب العاطفي»، لافتاً إلى أن «هناك حالات يكون دافعها فقدان علاقة عاطفية أو الشعور بالخذلان»، مستشهداً بشاب «عاش قصة حب لخمس سنوات وفشل في الزواج من جارته، فاتجه للتعاطي رغم أنه لم يسبق له تعاطي المخدرات»، حسب مقطع فيديو منشور على صفحة المركز في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».
ويرى شكّاب أن «الضغوط النفسية والاجتماعية هي مدخل رئيسي للتعاطي، ويمكن معالجتها عبر جلسات متخصصة يشرف عليها الاختصاصيون النفسيون»، مشيراً إلى أهمية «التعبير عن المشاعر والتوافق مع المشكلات بدلاً من الهروب منها».
رحلة التعافي.. من الانهيار إلى الأمل
وفي مقطع فيديو نشره مركز علاج المدمنين، تحدّث أحد النزلاء، دون الكشف عن هويته حفاظاً على الخصوصية، عن تجربته قائلاً: «حالتي النفسية كانت مدمّرة جراء الإدمان، لكن بعد أولى جلسات العلاج بدأت أستعيد توازني، ومع مرور 20 يوماً شعرت بتحسن كبير، واقتربت من الله بالصلاة وقراءة القرآن».
وأضاف: «دخلت دوامة لا نهاية لها، لكن مع الجلسات النفسية والدعم، أصبحت أكثر إيجابية، وأصبحت لدي رغبة حقيقية في تغيير حياتي».
أرقام وإحصاءات
وبحسب بيانات رسمية، استقبل المركز الوطني لعلاج وتأهيل المدمنين خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2025 نحو 968 حالة من 38 بلدية ليبية، قدّم المشورة الطبية لـ547 منهم، فيما خضعت 421 حالة لبرامج تأهيلية. وسُجّل تعافي 450 مريضاً بعد استكمال فترة العلاج.
وتشير الإحصاءات إلى أن أعمار المرضى تراوحت بين 16 و54 عاماً، فيما جاءت الفئة العمرية الأكثر تأثراً بين العشرين والثلاثين عاماً، حيث بلغ عددهم 245 مريضاً. كما تعافى 251 من الفئة العمرية نفسها خلال الفترة ذاتها.
وأظهرت البيانات أن أكثر من نصف المرضى التحقوا بالمركز طوعاً، بينما نُقلت حالات أخرى عن طريق ذويهم أو النيابة العامة. كما أجرت إدارة الصحة النفسية والاجتماعية أكثر من 4 آلاف جلسة علاج فردي وجماعي وأسري، بإشراف 12 اختصاصياً نفسياً.
وأكدت التحاليل التي أجريت لـ1938 متردداً على المركز ثبوت تعاطي 863 منهم لأنواع مختلفة من المواد المخدرة، أبرزها الحشيش والترامادول والمهدئات والأكستاسي والكوكايين والأفيونات والأمفيثامينات، كما يولي المركز اهتماماً خاصاً بالجانب الديني والبدني ضمن خطة التأهيل، إذ يعقد قسم الوعظ والإرشاد دروساً يومية لتحفيظ القرآن الكريم والوعظ الديني، إضافة إلى تنفيذ أكثر من 250 حصة رياضية صباحية لتعزيز اللياقة والانضباط الذاتي لدى النزلاء.
معركة بين الألم والأمل
هذا الحراك من أجل مواجهة الإدمان قد بدأ منذ شهور، وتحديدا في طرابلس التي استضافت نهاية يوليو الماضي ندوة تحت عنوان «ليبيا تحارب الإدمان في صمت.. معركة بين الألم والأمل»، لمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، ناقش خلالها مختصون ومسؤولون انتشار ظاهرة الإدمان في البلاد وتداعياتها الاجتماعية والنفسية، حيث حذّر المشاركون من أن ليبيا لم تعد مجرد بلد عبور للمخدرات، بل أصبحت تواجه مؤشرات خطيرة على وجود تصنيع وتوزيع محلي، في ظل ضعف الرقابة الأمنية والانقسام السياسي الذي أتاح بيئة خصبة للمروجين.
وأكد رئيس قسم الشؤون الطبية بمركز علاج المدمنين، الدكتور أنور يونس، أن المركز استقبل مئات الحالات من مختلف المدن الليبية، ويوفر برامج علاج وتأهيل شاملة، مشيرا إلى أنه يستعد لفتح فروع جديدة في الشرق والجنوب لتوسيع نطاق خدماته، فيما شددت رئيسة قسم الطب النفسي بمستشفى شارع الزاوية الدكتورة نسرين أبوسريويل على أن الوصمة الاجتماعية تمثل عقبة رئيسية أمام علاج المدمنين، إذ تخفي كثير من الأسر المشكلة خوفاً من نظرة المجتمع.
من جانبه، قال اختصاصي تعديل السلوك ساسي خليفة موسى إن 90% من الحالات تصل متأخرة بسبب الخوف أو الإنكار، مؤكداً أن الاعتراف هو الخطوة الأولى نحو التعافي. واعتبر المشاركون أن مكافحة الإدمان تتطلب جهداً وطنياً متكاملاً يدمج بين العلاج والتأهيل والتوعية، مع تعزيز دور المؤسسات التعليمية والدينية والمجتمع المدني في مواجهة الظاهرة المتنامية.
ويبقى أن معركة ليبيا متعددة الجبهات ضد الإدمان، تمتد من العلاج والتأهيل داخل المراكز المتخصصة إلى التوعية والوقاية في المدارس والجامعات والأحياء، وعلى الرغم من التحديات الاجتماعية والنفسية التي تدفع بعض الشباب نحو التعاطي، فإن جهود المؤسسات الصحية والأمنية والدينية تشير إلى «تحول تدريجي نحو الوعي والاعتراف بالمشكلة كقضية مجتمعية تحتاج إلى تضافر الجميع»، وبين قصص الانكسار والتعافي، تظل «الإرادة والعلاج المبكر والتماسك الأسري» الركائز الأساسية لإنقاذ الأرواح من دوامة الإدمان وإعادة الأمل لمن فقدوه.
تعليقات