قال الخبير الاقتصادي د. محمد أحمد إن ليبيا تعاني غياب رؤية شاملة لإدارة ماليتها العامة، مشيراً إلى أن المشكلة لا تكمن في وجود فجوة مالية بين الموارد والإنفاق، بل تتركز في نوعية هذا الإنفاق.
جاء ذلك في مقالة للدكتور محمد أحمد عبر صفحته على «فيسبوك»، ردًا على مقترح عرضه الخبير الاقتصادي محمد الصافي، لعلاج أزمات المالية العامة في ليبيا بتحديد سقف للموازنة، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
ورأى أحمد أن التركيز على أدوات مالية، مثل تسقيف الموازنة أو ربط الأبواب بمصادر محددة، تظل غير فعالة «ما لم تصاحبها رؤية اقتصادية شاملة تُعيد ترتيب الأولويات، وتُعيد تأسيس النظام المالي على أسس حديثة وشفافة»، مشددا على أن «الرؤية الاقتصادية يجب أن تسبق الموازنة، وليس العكس».
وقال: «الأزمة الحقيقية هي هيكلية وإدارية، لا مالية صرفة»، موضحاً أن المعضلة الأساسية في ليبيا تتجلى في الهدر المتعاظم الناتج عن ازدواج مؤسسات وضعف الرقابة، الأمر الذي يجعل الإنفاق غير منتج، ويكرّس الفساد، ويأكل الوفر الذي جرى تحقيقه بخفض قيمة الدينار.
أحمد: الطلب على العملات الأجنبية بسبب غياب أدوات ادخار العملة المحلية
أكد د. أحمد أن زيادة الطلب على العملات الأجنبية وتدهور سعر صرف الدينار يرجعان إلى غياب أدوات ادخار فعالة، مفسرا ضعف سعر الصرف بأن جزءا كبيرا منه يعود إلى حملات سياسية دعائية تتبناها الحكومتان ضد بعضها أو أصحاب المصالح، لتشتيت الانتباه عن حقيقة أزمة سعر الصرف الأجنبي.
وقال إن تسقيف الإنفاق العام ثلاث سنوات متتالية يُطرح بوصفه وسيلة لضبط المالية العامة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لكن تنفيذه في ليبيا سيكون محفوفًا بإشكالات بنيوية عدة، من بينها غياب البيئة المؤسسية اللازمة، واحتمالية وجود تأثير عكسي محتمل، في ظل غياب تخطيط استراتيجي حقيقي، فضلا عن قصور أدوات السياسة النقدية، في ظل غياب سوق فعّالة لأدوات الدين، واستمرار عدم وجود سعر الفائدة كأداة ضبط.
أما عن ربط الإيرادات غير النفطية بالباب الثاني، فاعتبره طرحا منطقيا من حيث المبدأ، لكنه يصطدم باعتبارات عدة، من بينها غياب الحوافز المالية للإصلاح، وضعف البنية الرقابية، وعدم وجود إيرادات حقيقية، بل هي «إيرادات محاسبية افتراضية في كثير من الأحيان»، كإيراد مبيعات المحروقات محليا أو إيراد الكهرباء.
وعلى الرغم من أن الصافي اعتبر أن مقترحيه مهمان لإدارة الإنفاق المرتفع، ومعالجة التباعد في المالية العامة الناتج عن زيادة الإنفاق وانخفاض الإيرادات، فإن الدكتور الشحاتي يرى مقترح الصافي على الرغم من أهميته في ظل التحديات التي تواجه المالية العامة، لكنه ينطلق من فرضيات غير مكتملة، ويقترح حلولًا قد تكون غير عملية في السياق الليبي الراهن.
فجوة مالية فعلية أم أزمة حوكمة وهيكلية؟
في تشخيص الأزمة، يرى د. محمد أحمد أن اللجوء إلى أدوات تقشفية لمعالجة الفجوة الكبيرة بين الإنفاق العام والإيرادات «فرضية لا تعكس المعطيات الواقعية التي أعقبت تعديل سعر الصرف في 2021، حيث أدى هذا الإجراء إلى وفرة مالية ملحوظة في الموازنة العامة بالدينار الليبي، بما يكفي لتغطية نفقات الحكومة دون عجز ظاهر، حتى في ظل انخفاض نسبي في أسعار النفط، وهو أمر معلن في البيانات الشهرية والسنوية التي يصدرها مصرف ليبيا المركزي».
وبالتالي يذهب إلى أن المشكلة لا تكمن في وجود فجوة مالية بين الموارد والإنفاق، بل الأزمة تتركز في نوعية هذا الإنفاق، فالمعضلة الأساسية، بحسب قوله، تتجلى في الهدر المتعاظم الناتج عن الازدواج المؤسسي، وضعف أدوات الرقابة، ما يجعل الإنفاق غير منتج، ويكرّس الفساد، ويأكل بتسارع الوفر الذي جرى تحقيقه بخفض قيمة الدينار، من دون أن يترجم مباشرة إلى أزمة موازنات، وبالتالي يدفع بأن «الأزمة الحقيقية هي هيكلية وإدارية، لا مالية صرفة».
- الخبير الاقتصادي محمد أحمد عن ميزانية الإعمار: المشكلة ليست في التأثير على سعر الصرف
- أبوسنينة يتوقع 100 دولار لبرميل النفط.. وتحذير للسلطات المالية من زيادة الإنفاق
- أبوسنينة: النزيف الصامت أخطر من السوق السوداء
أما فيما يخص النقد الأجنبي، فيقر الخبير الاقتصادي د. محمد أحمد بوجود ضغوط بالفعل وعجز واضحين، لكن تفسيرها «لا يقتصر على تزايد وتيرة حجم الإنفاق الحكومي فحسب»، متابعا: «من ناحية الاقتصاد الكلي، فإن غياب أدوات ادخار فعالة بالدينار، وانعدام الثقة فيه كوسيلة للاحتفاظ بالقيمة، يدفعان الأفراد والمؤسسات نحو طلب العملات الأجنبية».
ويرى أن «هذه ديناميكية مرتبطة بطبيعة النظام النقدي الليبي، وليس فقط بمستوى الصرف العام»، لافتا إلى أن «ما يجرى تقديمه بأن هناك رابطا بين زيادة الإنفاق الحكومي وتدهور سعر الصرف لا يعدو في جزء كبير منه أن يكون حملات سياسية دعائية تتبناها الحكومتان ضد بعضها أو أصحاب المصالح، الذين يودون تشتيت الانتباه عن حقيقة أزمة سعر الصرف الأجنبي».
هل تنجح أداة «تسقيف الموازنة»؟
يرى الخبير الاقتصادي أحمد أن تنفيذ اقتراح تسقيف الإنفاق العام لثلاث سنوات متتالية بوصفه وسيلة لضبط المالية العامة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، سيكون محفوفًا بإشكالات بنيوية عدة، من بينها غياب البيئة المؤسسية اللازمة، حيث إن «تسقيف الموازنة يفترض وجود منظومة مالية مستقرة، ذات مركزية تنفيذية، ومؤسسات رقابية فاعلة، تقوم بضبط الإنفاق وتقرير الانتقالات والتحويلات المكانية والزمنية المرتبطة بهذا النوع من التجميد، الذي من دون هذه المرونة يصبح ضربا من المستحيل تنفيذه».
هذا الشرط بالنسبة للخبير «لا يتوافر حاليًا في ليبيا، حيث الانقسام السياسي والتداخل المؤسسي يجعلان من أي سقف معلن مجرد إعلان نيات لا يترتب عليه التزام فعلي».
كما يثير إشكالية أخرى تتعلق باحتمالية وجود تأثير عكسي محتمل، في ظل غياب تخطيط استراتيجي حقيقي، وهو ما يحدث الآن، «حيث لا توجد أي رؤية حقيقية مبنية على معطيات سليمة إلا حسن النيات أحيانا، أو الأحلام والتمنيات أحيانا أخرى»، وهو ما قد يؤدي وفق رأيه إلى «تسريع عمليات الصرف قبل دخول السقف التالي حيّز التنفيذ، ما يُضاعف من الضغوط التضخمية بدلاً من الحد منها».
أما ثالثة الإشكاليات فتتمثل في قصور أدوات السياسة النقدية. ففي ظل غياب سوق فعّالة لأدوات الدين، واستمرار عدم وجود سعر الفائدة كأداة ضبط، يظل سعر الصرف هو الأداة الوحيدة المتاحة، ما يعني، وفق قوله، أن أي انفلات في الإنفاق، سواء كان مبررا أم غير مبرر، سيقابل بتخفيض جديد في قيمة الدينار، وهو ما يُفاقم من أعباء المعيشة، ويقوض الاستقرار النقدي.
أحمد: «توسيم الموازنة».. فكرة جزئية
رأى الخبير محمد أحمد أن اقتراح ربط الإنفاق التشغيلي بالإيرادات غير النفطية قد يبدو منطقيًا من حيث المبدأ، لكنه يصطدم باعتبارات عدة، من بينها غياب الحوافز المالية للإصلاح، حيث إن «تعديل سعر الصرف مكّن الحكومة من تغطية التزاماتها المحلية دون ضغوط حقيقية، لكن الحافز لتطوير أدوات التحصيل غير النفطي يبقى ضعيفًا».
وأشار كذلك إلى «ضعف البنية الرقابية» بالنظر إلى أن «غالبية الجهات التي تُحصّل إيرادات غير نفطية لا تخضع لرقابة حقيقية، وبعضها يحتجز الإيرادات في المصدر دون توريدها للخزانة العامة، كما في حالة قطاع الاتصالات»، وبالتالي «تطبيق الإصلاح هنا يتطلب إعادة هيكلة مؤسسية عميقة تتجاوز مجرد ربط الإيرادات بباب معين في الموازنة».
اعتبار آخر رصده الخبير محمد أحمد يتعلق بعدم وجود إيرادات حقيقية، بل هي «إيرادات محاسبية افتراضية في كثير من الأحيان»، إذ إن «هناك بعض الأبواب مبنية على وجود إيرادات افتراضية عمليا لا يمكن أن تتحقق، مثل إيراد مبيعات المحروقات محليا أو إيراد الكهرباء، وهي إيرادات تذهب كلها أو حتى أكثر منها على تكاليف الإنتاج والتوزيع والتخزين والنقل»، وبالتالي اعتبر «من الخيال أن نطالب شركة البريقة لتسويق النفط أو الشركة العامة للكهرباء بتوريد هذه الإيرادات للإنفاق الحكومي».
وأشار كذلك إلى «تعقيدات التوافق السياسي»، الذي يجعل توزيع أبواب الموازنة يعكس توازنات قوى معقدة بين مختلف الأطراف، و«أي محاولة لربط باب معين بمصدر تمويل محدد دون توافق سياسي واسع ستُقابل بمقاومة تؤدي إلى تعطيل التنفيذ».
محمد أحمد: الإصلاح المالي في ليبيا لا يسبق الإصلاح الاقتصادي
يذهب د. محمد أحمد إلى أن رؤية الصافي القائمة ضمنيًا على أن ضبط المالية العامة سيُفضي تلقائيًا إلى تحفيز الإصلاح الاقتصادي «تظهر التجربة الليبية عكس ذلك»، لافتا إلى أن «هذا التوجه، على الرغم من سطوعه في أدبيات المؤسسات الدولية، يعكس قناعة كلاسيكية بأن الانضباط المالي هو المدخل الطبيعي لتحقيق الاستقرار والنمو، غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل خصوصية الحالة الليبية. كما أنه يتناقض مع بعض التجارب التاريخية، وأهمها التجربة الكينزية التي برهنت أن العجز المالي قد يكون أداة للتحفيز الاقتصادي لا عبئًا عليه».
في السياق الليبي، يقول الخبير محمد أحمد «الأزمة تبدو أنها تتمثل في ضيق الإيرادات أو ضعف الجباية العامة. فبعد تخفيض سعر صرف الدينار في عام 2021، تضاعفت الإيرادات العامة على الرغم من ثبات الصادرات النفطية نسبيًا»، منوها بأن «هذا التخفيض، على الرغم من آثاره التضخمية، أدى إلى توليد فوائض مالية ملحوظة مقارنة بمستويات الإنفاق الفعلية، وهو ما يمنح الدولة هامشًا واسعًا من التمويل دون الحاجة لضرائب جديدة أو تقشف عاجل».
وبناء على ما سبق، دعا محمد أحمد إلى إعادة النظر في الطرح الذي يعتبر أن إصلاح المالية العامة شرط أولي للإصلاح الاقتصادي، متابعا: «الحاجة المُلحّة ليست إلى تقليص العجز، بل إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو أغراض تنموية وتحويلية. الإشكال الجوهري يكمن في بنية الإنفاق العام التي يغلب عليها طابع الاستهلاك الجاري والترضيات الاجتماعية، بدل أن تكون موجهة نحو مشاريع البنية التحتية، والتعليم، والابتكار، والتصنيع».
وعلى الرغم من ذلك، يرى عدم الاستهانة بالإصلاح المالي، لكن «لا ينبغي منحه أولوية مطلقة بمعزل عن رؤية اقتصادية شاملة»، فالإصلاح المالي بمعناه الضيق، وتقليص العجز، وضبط الإنفاق، وتحسين الجباية، قد يتحول إلى مجرد إدارة موقتة للأزمة، لا إلى حلها»، وفق قوله.
في ليبيا، يعتقد د. أحمد أن «المشكلة الرئيسية ليست في القدرة التمويلية للدولة، بل في الهدر الناتج عن الإنفاق غير الموجه، والانفصال شبه الكامل بين التخطيط المالي والتخطيط التنموي»، منوها بأن «الدولة تنفق كثيرًا، لكنها لا تنفق بما يُحدث تحولًا اقتصاديًا حقيقيًا»، ومتابعا: «هذا ما يجعلنا نرفض الرؤية التي تختزل الإصلاح في الموازنة، ونتبنى مقاربة تعتبر أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من وضع استراتيجية اقتصادية وطنية، يكون فيها الإنفاق أداة للتنمية، لا غاية في ذاته».
وبالتالي، فهو يرى أن «ليبيا لا تحتاج إلى إصلاح مالي عاجل بقدر ما تحتاج إلى إصلاح في وظيفة الدولة الاقتصادية، أي في قدرتها على توجيه مواردها نحو غايات إنتاجية وتنموية»، وهو ما يستلزم كفاءة مؤسسية، وشفافية، وربطًا عضويًا بين المال والسياسة العامة. وبهذا المعنى، فإن تخفيض سعر صرف الدينار منح فرصة لالتقاط الأنفاس، وتأجيل الضغوط المالية، لكن هذه الفرصة ستكون مهدورة إن لم تُستثمر في بناء اقتصاد متنوع، يقل اعتماده على الريع، ويخلق فرص عمل حقيقية».
وشدد كذلك على أن «الإصلاح المالي جزء من الصورة، لا الصورة كلها». أما «الركن الأساسي للإصلاح، فهو سياسي واقتصادي في آن، ويتعلق بقدرة الدولة على صياغة غايات اقتصادية واضحة، وتحقيق انضباط إنفاقي يخدم هذه الغايات، لا أن يُدار بمعزل عنها».
3 آليات لإصلاح الموازنة
رأى د. أحمد أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الموازنة، بل من تصور للنموذج الاقتصادي الليبي، يشمل: مراجعة استراتيجية لإيرادات الدولة، خصوصًا في قطاع النفط، وتوسيع الطاقة الإنتاجية، وتطوير أدوات السياسة النقدية، بما يشمل تفعيل أدوات الادخار والتمويل، وتحفيز الاستثمار المحلي، بالإضافة إلى إصلاح العلاقة بين السلطات النقدية والمالية والتشريعية، وإعادة تعريف أدوارها وصلاحياتها وفق منطق اقتصادي لا سياسي فقط.
ويختتم الخبير الاقتصادي محمد أحمد بأن «الأزمة التي تواجهها ليبيا في إدارة ماليتها العامة ليست أزمة أدوات، بل أزمة رؤية شاملة»، معتبرا أن التركيز على تقنيات مثل تسقيف الموازنة أو ربط الأبواب بمصادر محددة يظل جزئيًا ما لم يُصاحب برؤية اقتصادية كلية تُعيد ترتيب الأولويات، وتُعيد تأسيس النظام المالي على أسس مؤسسية حديثة وشفافة.
تعليقات