خلص مقال نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» إلى أن تطور الأوضاع في ليبيا يوفر دروسا للقادة الجدد في سورية، مشيرا إلى التشابه الكبير بين الأوضاع داخل البلدين لا سيما فيما يتعلق بالمشهد الأمني المتشرذم والتدخل الكبير للقوى الأجنبية.
وقال كاتب المقال، الباحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تيم إيتون إن «الانهيار السريع والكامل لنظام بشار الأسد في سورية يظهر السرعة التي يمكن أن تتحول لها الأنظمة السياسية الهشة»، مضيفا أن سورية الآن في وسط مرحلة انتقالية ضبابية، حيث توجد نتائج محتملة كثيرة للغاية بحيث لا يمكن التنبؤ بأي منها، وهو ما بدا في تصريحات مسؤولين من المنطقة والقوى الغربية غلب عليها التفاؤل الحذر بسبب تعقد الوضع الداخلي.
مشهد أمني متشرذم
وأشار إيتون إلى أن وجه التشابه الأبرز بين الوضع في ليبيا وفي سورية هو المشهد الأمني، حيث تسيطر مجموعة واسعة من الجماعات المسلحة على الأراضي في كلا البلدين.
وقال: «سيتعين على القادة الجدد في سورية التعامل مع مجموعة من الفصائل المسلحة ذات المصالح الراسخة والمتضاربة، من الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا، وقوات سورية الديمقراطية «قسد» المدعومة من الولايات المتحدة. والحال نفسه يتكرر في ليبيا حيث فشلت الجهود الرامية إلى إخضاع مجموعة الجماعات المسلحة لسيطرة وزارتي الدفاع والداخلية، ومارست المجموعات المسلحة نفوذا واسعا على مؤسسات الدولة».
وأضاف: «في ليبيا، يتعاون القادة الأقوياء ويتنافسون مع المسؤولين في بيئة شديدة التحصين. ونتيجة لهذا، يسعى المنافسون السياسيون بفعالية إلى استرضاء الجماعات المسلحة من خلال توفير الموارد وتطوير التحالفات غير الرسمية».
وفي حين أعلنت «هيئة تحرير الشام» نيتها تفكيك جميع التشكيلات المسلحة ودمج المقاتلين تحت إشراف وزارة الدفاع لتفادي المصير الذي تعاني ليبيا منه الآن، إلا أن المقال أشار إلى وجود تساؤلات كبيرة حول كيفية تحقيق هذا الهدف، بالنظر إلى غياب التوافق بين المجموعات الأخرى.
وقال إيتون: «إذا اتخذنا الوضع في ليبيا مثالا، فإن الجهود التي أعلنتها (هيئة تحرير الشام) ستكون صعبة إلى حد كبير وقد تشعل صراعا أكبر بين التشكيلات المتنافسة».
- وزير الخارجية البريطاني: لا نريد أن تصبح سورية مثل ليبيا ضعيفة ومقسمة وهشة
- مجلة فرنسية: سورية قد تغرق في فوضى وتفكك شبيه بما حدث في ليبيا
التدخلات الخارجية
وتواجه سورية معضلة أكبر تتمثل في تدخل القوى الأجنبية، كما هو الحال في ليبيا حيث بنت القوى الخارجية شراكات مع الأطراف المتنافسة في شرق وغرب البلاد، ما عرقل مساعي الأمم المتحدة لإجراء الانتخابات وتشكيل حكومة موحدة.
وقال إيتون: «الدروس من ليبيا واضحة تماما: دون إجماع بين اللاعبين الخارجيين، ستكون الاتفاقات الهشة بين الفصائل السورية مهددة، وسيجرى تقويض أي مساعي لحكومة فعالة. وعديد من الأطراف المؤثرة في الأحداث في ليبيا، مثل الإمارات وروسيا وتركيا، لديها أيضًا مصالح في سورية».
وأضاف: «في حين خفضت الجهات الفاعلة الخارجية مشاركتها في سورية قبل الإطاحة بالأسد، فإن هذا الموقف قد يتغير ومن المرجح أن يتغير في منطقة حيث تشتعل صراعات متداخلة متعددة».
الاتصال بين النخب السياسية والتشكيلات المسلحة
في سياق متصل، تحدث المقال عن درس أخير يمكن أن يتعلمه القادة الجدد في سورية من الوضع داخل ليبيا وهي العواقب المترتبة على الانفصال بين القيادة السياسية والجماعات المسلحة أنفسها.
وأوضح قائلا: «القيادات بعد العام 2011 كانت بعيدة كل البعد عن مجموعة التشكيلات المسلحة التي أطاحت بالقذافي. وقد سادت الجماعات المسلحة منذ العام 2011».
وقال معهد «تشاتام هاوس» إنه «خلال السنوات الماضية، أنشأ المشير خليفة حفتر سلطة مباشرة على مؤسسات الدولة في المناطق الواقعة تحت سيطرته، كما أصبح القادة العسكريون في مختلف أنحاء البلاد أقرب إلى ممارسة السلطة بشكل مباشر».
سورية تواجه تحديات أكبر من ليبيا
غير أن المقال رأى أن التحديات التي تواجه سورية أكبر بكثير من تلك التي واجهت ليبيا خلال العام 2011، مشيرا إلى أن الإطاحة بمعمر القذافي جاءت بعد أقل من عام من الحرب التي أودت بحياة الآلاف، لكن البنية التحتية الحيوية ظلت فعالة، واستمرت الصادرات النفطية.
لكن في سورية، فإن سقوط نظام الأسد جاء بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب الأهلية التي قضت على أغلبية البنية التحتية الحيوية، وأثارت موجة نزوح ضخمة، كما عمقت الانقسامات الاجتماعية والطائفية بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه في ليبيا في العام 2011.
وهناك اختلاف آخر يتمثل في بنية الاقتصاد السوري. ففي ظل العقوبات الثقيلة، تحولت سورية إلى مركز لإنتاج وبيع المواد المخدرة وحبوب «كبتاغون»، وجرى تقسيم البلاد إلى مناطق تمتع بعضها بالحكم الذاتي.
كما قارن إيتون بين دور الثروة النفطية في الحروب التي شهدتها سورية وليبيا، موضحا: «تتركز البنية الأساسية للنفط في سورية في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وهذا يعني أنه لا توجد بنية أساسية وطنية واسعة النطاق حيث يكون لجميع الأطراف مصلحة اقتصادية مشتركة. وعلى النقيض، تعلم السلطات المتنافسة في ليبيا أن اقتصاد بلادها يعتمد على البنية الأساسية للنفط والغاز، وهو العامل الذي شجع على بعض مستويات الترابط المتبادل».
تعليقات