Atwasat

كيسنغر وليبيا.. مواقف متقلبة لـ«ثعلب الدبلوماسية»

الجزائر - بوابة الوسط: عبدالرحمن أميني الجمعة 01 ديسمبر 2023, 06:17 مساء
WTV_Frequency

بين من يصفه بـ«عملاق التاريخ» و«فنان الدبلوماسية» و«الحكيم الذي غيّر القرن»، ينعته البعض بـ«سيئ السمعة» المتورط أيضا في أحداث مظلمة شهدها العالم، ولم تكن ليبيا بعيدة عن مهندس السياسة الأميركية، فكيف كانت مواقفه من التغيرات التي طرأت على الدولة منذ الحكم الملكي إلى ما بعد «الربيع الليبي».

يرجع الكثيرون الفضل إلى كيسنغر «ثعلب الدبلوماسية» في تشكيل معظم السياسات الأميركية الخارجية في العقود الأخيرة، بعدما توفي الأربعاء الماضي عن مئة عام. ففي آخر مؤلفاته، عبر عن مخاوف في كتابه الجديد «النظام العالمي.. تأملات في شخصية الأمم ومسار التاريخ» من الفوضى التي تشهدها الدول العربية والعالم الإسلامي على استقرار العالم وأمنه.

وأعتقد أن هذا الخطر ناشئ عن انهيار الدولة التي لم تعد قادرة على فرض هيبتها على أراضيها، وظهور قوى ـ غير الدولة - تقوم بفرض هيمنتها وسلطتها على مناطق سيادتها.

وفي شهادته حول ليبيا، اعتبر أن الإطاحة بنظام معمر القذافي أدت إلى نزع أي مظهر من مظاهر الحكم الوطني، حيث سلحت الجماعات والقبائل نفسها من أجل تحقيق الحكم الذاتي عبر الميليشيات المستقلة. وفي الوقت الذي حصلت فيه حكومة موقتة في طرابلس على اعتراف دولي، فإنها لم تكن قادرة على فرض سيادتها خارج العاصمة، فانتشرت الجماعات المتطرفة، مما أدى إلى اندلاع العنف في الدول المجاورة باستخدام السلاح الذي نهبته من ترسانة القذافي.

تخلي واشنطن عن الخيار الدبلوماسي في ليبيا
ويستكشف وزير الخارجية الأميركي الأسبق في ديسمبر 2022 خيار الدبلوماسية بعد فوات الأوان عقدين من الزمن، حيث كتب مقالاً في جريدة «ذا سبيكتاتور» يسلط فيه الضوء على الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وتداعياتها على العالم، خاصة أوروبا.

لكن كيسنغر، الذي أيد التدخل العسكري في ليبيا العام 2011، شدد على أن الدبلوماسية هي الخيار الذي تخلت عنه الولايات المتحدة عندما تعلق الأمر بغزوها ليبيا والعراق وأفغانستان وسورية والصومال، قائلا إنها «ضرورية، لأنها مطلب».

- البيت الأبيض: وفاة كيسنجر «خسارة هائلة»
- وفاة هنري كيسنجر عن عمر ناهز 100 عام
- كيسنجر: هناك حرب كبيرة محتملة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين

وفي 18 أكتوبر 2015، تناول وزير الخارجية الأميركي الأسبق الأوضاع المتدهورة في الشرق الأوسط، والأزمات التي تنذر بالمزيد من زعزعة استقراره، وتساءل في مقال، نشرته جريدة «وول ستريت جورنال» الأميركية، عن السبيل للخروج من الدمار الذي يحيق بالمنطقة برمتها. وقال وقتها كيسنغر إن هناك أربع دول في الشرق الأوسط تعاني الفوضى أكثر ما يكون، مشيرا إلى ليبيا واليمن وسورية والعراق. وأضاف أن هذه الدول باتت مستهدفة من قِبل حركات تريد فرض سيادتها عليها.

وأوضح أن تنظيم «داعش» يريد أن يقيم دولة «الخلافة الإسلامية» بدلا من الدول المتعارف عليها في النظام العالمي. وبيّن أن إيران تدعم لاعبين آخرين يمثلون جماعات جهادية في المنطقة، كما هي الحال مع حزب الله في لبنان أو حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة أو جماعة الحوثي في اليمن.

مقارنة بين ليبيا وسورية تفجر خلافا بين يفغيني بريماكوف وكيسنغر
وفي 22 يونيو 2012، شهد منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي في روسيا خلافا حادا بين وزير الخارجية الروسي السابق يفغيني بريماكوف، ونظيره الأميركي السابق كيسنغر، وذلك بشأن التعاطي الدولي مع الثورة السورية التي سقط فيها آلاف القتلى، وباتت موضع خلاف بين عدد من الأطراف الدولية والإقليمية.

ففي أثناء المنتدى، انتقد وقتها بريماكوف سلوك الغرب في الأزمة الليبية، وقال: «لقد خدعتمونا في ليبيا. وعدتم بحظر جوي فحسب، ثم حصل بعد ذلك ما حصل. الحمد لله أننا نتعلّم، والآن لن يخدعنا أحد في سورية».

وكان بريماكوف يشير إلى أن تدخل الغرب تجاوز فرض حظر جوي على ليبيا، وامتد إلى تقديم مختلف أنواع الدعم للثوار، وهو ما توج بالإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي الذي كان عازما سحق الثورة في مهدها باستعمال جميع الوسائل.

لكن كيسنغر رفض المقارنة بين سورية وليبيا، إذ قال: «أرى أنه من الخطأ النظر إلى ما يحصل في سورية على أنه محور نزاع بين روسيا وأميركا. علينا أن نتعاون هناك، ولكن لو سألتموني كيف لما أعطيتكم جوابا محددا».

وأضاف كيسنغر: «95% من الأميركيين لم يكونوا يعرفون أين تقع ليبيا وسورية قبل اندلاع الأحداث. علينا في روسيا وأميركا أن نتعاون في سوريا».

وثيقة لكيسنغر حول السقوط المفاجئ للنظام الملكي في ليبيا
وتاريخيا، كشفت وثيقة أميركية، رُفعت عنها صفة السرية ونشرتها جريدة «الشرق الأوسط» في ديسمبر 2018، ويعود تاريخها إلى 9 سبتمبر 1969، ما كانت تعرفه الحكومة الأميركية عن سقوط الملكية في ليبيا.

الوثيقة هي مذكرة سرية أعدتها وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية بناءً على طلب مستشار الأمن القومي -آنذاك- هنري كيسنغر، لتقديمها إلى الرئيس ريتشارد نيكسون حول السقوط المفاجئ للنظام الملكي في ليبيا. وفي التقرير محطات مهمة تكشف نقاط الضعف في النظام الملكي، ويحدد مسار التطورات التي شهدها الواقع الليبي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً في أواخر العهد الملكي، ويلقي الضوء على الخلل الذي عانته البنية السياسية القيادية. وجاء في الوثيقة: «في السنوات الأخيرة يبدو أن تصدعاً قد أصاب القوى السياسية التي وضعت في توازن منذ أن حصلت ليبيا على استقلالها العام 1951، حيث تزايدت قدرات الجيش، وتزايد السخط فيه والغضب من استشراء الفساد والمزاجية التي تحكم النظام. ولقد سلطت الضوء على ذلك حكومة عبدالحميد البكوش المتنورة، الذي عزله الملك من نحو سنة مضت، ولم يكن قد مضى على توليه الوزارة إلا فترة قصيرة». تلك الوقفة الأولى للوثيقة التي حاولت أن تستعرض الأسباب، ثم تتحرك نحو النتائج، وهي سقوط النظام الملكي بشكل سهل ومفاجئ.

الرجل متورط في أحداث مظلمة
وعموما، فإنّ الرجل الذي يوصف بأنه مهندس الانفراج مع معسكر الشرق متورط أيضا في «أحداث مظلمة» باتت عدة أدلّة تؤكدها، وفق ما نشرت جريدة «لوموند» الفرنسية أمس الخميس.

وأشارت «لوموند» إلى أنه «في وقت مبكر من العام 1975، كشفت لجنة مجلس الشيوخ الأميركي، برئاسة فرانك تشيرش، دوره في سقوط نظام سلفادور أليندي لمصلحة ديكتاتورية بينوشيه في تشيلي العام 1973. وفي العام 2000، جرى إثبات الأمر بعد رفع السرية عن أرشيفات هذه الأحداث».

وفي الكتاب الصادر العام 2001 «محاكمة هنري كيسنغر»، اتهمه الصحفي كريستوفر هيتشنز بارتكاب «جرائم حرب، ليس فقط في أميركا اللاتينية، ولكن أيضًا في كمبوديا» (التفجيرات التي حصلت من العام 1969 إلى العام 1973).

وتابع التقرير الفرنسي أن العديد من القضاة في تشيلي والأرجنتين وفرنسا سعوا، دون جدوى، إلى الاستماع إلى وزير الخارجية الأسبق الذي اضطر نتيجة ذلك إلى إزالة دول معينة من جولاته في المؤتمرات التي يحضرها، وهكذا غادر فرنسا على عجل في مايو 2001 بعد أن تلقى استدعاء من القاضي روجر لو لوار، الذي كان يحقق في خطة «كوندور»، للقضاء على معارضي الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية.

ولا تترك المحادثات المسجلة في البيت الأبيض، التي جري كشفها في العام 2013، مجالًا للشك في تورط الدبلوماسي الأميركي، وفقًا للتقرير الفرنسي الذي استحضر مقولة كيسنغر: «لن نسمح لتشيلي أن تغرق في البالوعة»، التي أفتعلها العام 1970 بعد انتخاب أليندي.

كما أنّه «من اليونان إلى تايلاند، ومن الفلبين إلى الأرجنتين، كان الخوف من الشيوعية والدفاع عن المصالح الاقتصادية الأميركية هو الذي حرَّك رأس الدبلوماسية الأميركية أكثر من الديمقراطية، حتى أنّه لم يتوقف قط عن الدفاع عن الصين ضد أولئك الذين يؤيدون العقوبات التي تستهدفها».

لكن ذلك لم يمنعه بأي حال من الأحوال من مواصلة مسيرته الأكاديمية والتحريرية والسياسية، حيث وصفته «لوموند» بـ«طائر الفينيق للدبلوماسية الأميركية».

وتولّى الوزير الراحل التدريس في جامعة جورج تاون منذ العام 1977، وأسس في العام 1982 بنيويورك شركة استشارية مربحة للغاية تخدم الشركات الخاصة الكبيرة مثل «إكسون موبيل، وأمريكان إكسبريس»، والحكومات. ولم يفقد هنري كيسنغر امتيازات الوصول إلى البيت الأبيض. وحتى النهاية، بقي يعمل «مِن الداخل»، حيث استشاره كل رئيس، سواء للتحقق من توجهاته أو لتحييد شخصية مقلقة.

وقد كلفه رونالد ريجان بمهمة تتعلق بأميركا الوسطى، وطلب منه الديمقراطي كلينتون النصيحة قبل أن يتخلى عن أي ربط بين المزايا التجارية وحقوق الإنسان في الصين.

وكان التقارب الأقصى مع جورج دبليو بوش الذي عيَّنه رئيسًا للجنة التحقيق في أحداث الـ11 من سبتمبر 2001. وفي ديسمبر 2002، استقال كيسنغر بعد أن طلبت الصحافة ذلك، للاشتباه في تضارب المصالح.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
صيانة خط صرف صحي تسبب في زحام شوارع طرابلس
صيانة خط صرف صحي تسبب في زحام شوارع طرابلس
«الأرصاد» يحذر من الرياح على معظم مناطق الساحل الليبي غدا.. سرعتها تصل لـ30 عقدة
«الأرصاد» يحذر من الرياح على معظم مناطق الساحل الليبي غدا.. ...
أسعار العملات الأجنبية أمام الدينار الليبي في السوق الرسمية (الأحد 3 مارس 2024)
أسعار العملات الأجنبية أمام الدينار الليبي في السوق الرسمية ...
افتتاح 3 مدارس في مصراتة وتكريم 74 طالبًا من الأوائل
افتتاح 3 مدارس في مصراتة وتكريم 74 طالبًا من الأوائل
«حرس المنشآت»: تسيير دوريات باتجاه خطوط نقل النفط إلى حقل الوفاء
«حرس المنشآت»: تسيير دوريات باتجاه خطوط نقل النفط إلى حقل الوفاء
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم