Atwasat

دراسة: التهميش قد يدفع بشباب الجنوب إلى حضن الإرهاب

الجزائر - بوابة الوسط: عبدالرحمن أميني الجمعة 18 نوفمبر 2022, 11:32 صباحا
alwasat radio

توصلت دراسة استقصائية تعد الأولى من نوعها إلى خلاصات مفاجئة حول عوامل قد تدفع بالشباب في مناطق مختارة بالجنوب الليبي وتحديدا الحدودية منها إلى الانخراط في جماعات إرهابية، بعدما تبين «سخطهم الواسع» على الحكومة وأجهزة الدولة، وقلة الفرص الاقتصادية، والتهميش الذي وصل إلى «الحرمان» من وثائق الهوية.

وتناولت الدراسة الأولى لسلسلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع «مسح الأسلحة الصغيرة» الصادر في نوفمبر الجاري، منع التطرف العنيف، واستراتيجيات التجنيد التي تستخدمها الجماعات المسلحة في مجتمعات المناطق الحدودية، فضلا عن المواقف تجاه الجماعات المتطرفة العنيفة والقيم المرتبطة بها، ووفرت الدراسة بيانات وتحليلات جديدة حول انتشار وشدة دوافع التطرف العنيف في مناطق مختارة من الأراضي الحدودية في جنوب ليبيا إلى جانب دول مجاورة أخرى.

وشددت الدراسة على أهمية دور الاستثمارات العميقة والمستدامة في التصدي للحرمان الاقتصادي والمنازعات العرقية والتمييز والجريمة المنظمة العابرة للحدود وغيرها من تحديات الحوكمة باعتبارها عوامل خطر حاسمة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم التطرف العنيف إذا تُركت دون معالجة. لذلك، تدعو الجهات الفاعلة لمواصلة العمل بطريقة منسقة لمعالجة العوامل البنيوية والجاذبة للتطرف العنيف العابر للحدود الوطنية، وفي بناء مجتمعات قادرة على الصمود في مواجهة التطرف العنيف في ليبيا وتشاد والنيجر ونيجريا والسودان.

لماذا الحدود الليبية مواتية لنشاط المتطرفين؟
ويبدو أن الحدود الليبية الجنوبية، دون سائر المناطق الحدودية في الساحل، توفر ظروفا مواتية بوجه خاص لتوسع نشاط الجماعات المتطرفة العنيفة. فبعد هزيمة تنظيم «داعش» في مدينة سرت في العام 2016 توجه المقاتلون نحو جنوب البلاد، مثيرين المخاوف بشأن استقرار المناطق الحدودية حيث استخدمت أسلحة ليبية في الدول المجاورة مثل تشاد والنيجر والسودان وحتى نيجريا في أحداث العنف، وفق الدراسة.

وتتسم الأراضي الحدودية الليبية، كسائر منطقة الساحل الأوسع، بمحدودية فرص الحصول على الخدمات العامة، وضعف المؤسسات السياسية، وسهولة اختراق الحدود، وتعدد التدخلات العسكرية المباشرة، وحضور الجماعات المسلحة، وانتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة، وتدخل القوى الإقليمية وكلها عوامل تُسهم في زيادة خطر التطرف العنيف.

%17 من الليبيين يشعرون بانعدام الأمن
وسعت الدراسة إلى فهم أفضل حول ديناميات عوامل الخطر في المنطقة الحدودية بجنوب ليبيا، معتمدة على الدراسات الاستقصائية الكمية لمعرفة تصورات الناس حول العوامل أو الدوافع التي قد تقودهم للتطرف العنيف. واعتمدت على 6852 مقابلة في مناطق حدودية ومع الجهات الفاعلة بين ديسمر 2020 ويوليو 2021.

وبينا كان المستجوبون في ليبيا ونيجيريا والسودان ساخطين بشكل خاص على عمل قوات الأمن، كان العكس صحيحا في تشاد والنيجر. فيما تباينت التصورات إزاء الاستقرار والأمن ففي نيجيريا، شعر 61% من المستطلعين بانعدام الأمن أو انعدام الأمن الشديد في أحيائهم، مقارنة بـ 12% فقط في النيجر، و17% في ليبيا.

وتباينت التصورات إزاء الأسلحة الصغيرة حيث تشير نتائج الدراسة الاستقصائية إلى أن تهريب السلاح من ليبيا إلى الدول المجاورة يتجاوز تدفقات الأسلحة إلى ليبيا. وحثت الدراسة الدول الأعضاء بمجلس الأمن والأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يدعموا الجهود الرامية إلى عرقلة وصول الأسلحة إلى الجماعات المتطرفة العنيفة تماشيا مع قرار الأمم المتحدة رقم 1970 لسنة 2011 بشأن حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا.

وحاول برنامج الأمم المتحدة الانمائي فهم التصورات المجتمعية للدوافع الرئيسية وراء التطرف العنيف في مناطق حدودية مختارة في شامل تشاد، وجنوب ليبيا، وشمال شرق النيجر، وشامل غرب نيجيريا، وغرب السودان. ففي ليبيا شملت المقابلات 1360 شخصا تمت مقابلتهم في مدن وبلدات جنوب ليبيا وتحديدا في الكفرة وسبها ومرزق وغات. وقد اختيرت المناطق الحدودية المشمولة بالدراسة الاستقصائية باعتبارها عرضة لجهود التجنيد من قبل الجماعات المتطرفة بسبب أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية السائدة، وتهميش مجتمعاتها، والمخاوف المحيطة بتحركات أعضاء تلك الجماعات وأنشطتهم هناك. 

- مظاهرة في غات ضد الفساد وتهميش الجنوب
- المكونات الاجتماعية والمدنية بسرت تعترض على «التهميش المتعمد» للمدينة

أسباب نشاط الجماعات المتطرفة في الجنوب الليبي
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي العام 2011 مرت على ليبيا حكومات انتقالية متعددة، واضطلعت طائفة من الجماعات المسلحة بتوفير الأمن للسكان المحليين وأسهمت أخرى بزيادة انعدام أمنهم.

وانخرطت الميليشيات في أعمال عنف مسلح للسيطرة على نقاط إستراتيجية مثل المصارف ومجمعات النقل وطرق التهريب. وفي أعقاب أحداث العام 2014، أدى الوضع الأمني الهش والمتشرزم إلى ظهور جماعات متطرفة عنيفة في بعض أنحاء البلاد. فاستغلَّ تنظيم «داعش» التهميش الذي كانت تعانيه مدينة سرت ووصفها آنذاك من الجماعات الثورية الأخرى بأنها موالية للقذافي، وجرى إعلانها قاعدتَه الأساسية في شمال أفريقيا بين عامي 2016-2015، وفق الدراسة، التي أشارت إلى ما شهدته المنطقة الشرقية من صعود «للميليشيات الإسلامية المتشددة، مثل أنصار الشريعة، ومجلس شورى الشباب الإسلامي، وكتائب شهداء أبوسليم».

أما في درنة، ظهر «داعش»، حسب الدراسة، بسبب تدفق «الجهاديين» العائدين من سورية، ورغم أن الجمعات المتطرفة العنيفة ظلت أقلية ضمن الطيف العام للجهات الفاعلة المسلحة في ليبيا، إلا أن أفعالها كانت جلية ومزعزعة للاستقرار بشكل خاصة بسبب الأساليب العنيفة التي استخدمتها في الهجمات. وخلصت الدراسة إلى تسبب المنافسة للسيطرة على طرق التجارة غير الرسمية في ليبيا إلى نشوب نزاع بين المجتمعات الحدودية؛ ما سمح َللجماعات المتطرفة العنيفة باستغلال حالة عدم الاستقرار لتنشط في بعض المناطق الحدودية. ومن أبرزها تنظيم «داعش» الذي نفذ هجمات عدة في العام 2021 واستغل الحدود مع السودان لتمكين المقاتلين القادمين من أفغانستان وسورية والسودان من دخول ليبيا، في حين تشير الدلائل المستجدة إلى أن التنظيم استخدم تهريب المخدرات وباعها لتمويل عملياته في ليبيا.

وبالنظر إلى أن القذافي كان يمتلك واحدا من أكبر مخزونات الأسلحة في القارة الإفريقية، فإن الأسلحة الصغيرة كانت تُهرب بانتظام من ليبيا إلى مناطق النزاع الأخرى في المنطقة، حسب الدراسة التي أشارت إلى أنه رغم أن مدى انخراط الجماعات المتطرفة في تهريب الأسلحة لم يتضح بعد، إلا أن قدراتها العسكرية قد استفادت بالتأكيد من توفر الأسلحة عموما في ليبيا، مستبعدة أن يتحسن الوضع إذا استمرت الأطراف المشاركة في النزاع الليبي في خرق حظر الأسلحة المفروض.

دوافع الانضمام إلى الجماعات المتطرفة
وفيما يتعلق بالأبعاد السبعة لدوافع التطرف بجنوب ليبيا والتي تخص حظر المشاركة السياسية وتأثير الجماعات المسلحة غير التابعة للدول وانعدام الاستقرار والأمن على نحو مزمن إلى جانب إخفاق الحكومة في توفير الخدمات الأساسية، وعدم كفاية المستوى الذي توفره الدولة من الأمن والعدالة والمشقة والحرمان وهي دوافع للتطرف العنيف، ولكن ليس دائما.

سبها والكفرة «أقل رضا»
وعند سؤال المستجوبين في ليبيا، ما هو شعورك حيال حياتك الآن، على مقياس من (0 أسوأ حياة ممكنة إلى 10 أفضل حياة ممكنة؟) كان القاطنون في منطقتي سبها والكفرة في جنوب ليبيا أقل رضا عن حياتهم بشكل ملحوظ مقارنة بالقاطنين في مناطق البحث الأخرى ( ما بين 8.5 و1.6 ). وعند مقارنة هذه البيانات بالإجابات على سؤال مشابه طرحه المسح في 2014، نجد أن المنطقتين الليبيتين الجنوبيتين اللتين تراجع فيهما مستوى الرضا هما الكفرة وسبها.

وتبين أيضا أن الكفرة هي أيضا المنطقة الوحيدة التي أفاد سكانها بعدم وجود ما يكفي من الطعام للأكل بوتيرة أكثر حدوثًا، وتستأثر الكفرة بأعلى نسبة من المستطلعين الذين يعانون من عدم العثور على سكن. وإلى جانب سكان غات ومرزق وسبها، فإنهم يعانون أكثر الأحيان من غيرهم في المناطق الأخرى َاقتصاديا للحصول على المياه النظيفة.

وبناء عليه حذرت الدراسة من إتاحة قلة الفرص الاقتصادية والفقر في المجتمعات المحرومة والمهمشة في المناطق التي تشكل فيها فئة الشباب نسبة عالية من سكانها الفرصة للمجموعات المتطرفة العنيفة لتجذب المجندين بالحوافز الاقتصادية مثل الرواتب.

كما أنه في مجتمعات مثل ليبيا، يتطلب الزواج من الرجال بلوغ عتبة اقتصادية عالية، لكن يمكن للقائمين على التجنيد في الجماعات المتطرفة العنيفة أن يستغلوا عدم القدرة على الزواج من خلال تقديم أموال سهلة أو فرصة للزواج من نساء يدعمن أيديولوجية التطرف العنيف كما تبين من عدد الإناث اللواتي انضممن إلى تنظيم «داعش» في سورية.

سخط واسع على الحكومة
وفيما يتعلق بالتصورات المعقدة والدقيقة إزاء الدولة في المناطق الحدودية المشمولة بالدراسة، أوضح المستجوبون في ليبيا ونيجيريا والسودان أنهم ساخطون بشدة على الحكومة.

وفي حين أن غالبية المستطلعين في غات والكفرة أفادوا بأن الشرطة والجيش يوفران الأمن في أحيائهم، إلا أن أقلية فقط أفادت بذلك في مرزق، وأقلية أقل منها في سبها التي تحتل المرتبة الأدنى بين جميع المناطق الليبية التي شملتها الدراسة الاستقصائية من حيث التصورات إزاء الأمن حيث يعتقدون أن قوات الأمن عاجزةٌ عن حماية مجتمعهم من التهديدات التي يواجهها. وفي سبها أكدوا افتقار قوات الأمن إلى المعدات الكافية لمواجهة الجماعات المتطرفة العنيفة. وحول جودة خدمات التعليم المتوفرة فان أكثر من ثلثهم غير راضين على مستوى التعليم.

وفيما يتعلق بخدمات الدولة والدعم الحكومي، فقد أفاد ما يزيد على 33% من المستطلعين في جنوب ليبيا بأنهم لا يملكون بطاقة هوية أو جواز سفر ساري المفعول، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ليبيا، حيث تعد بطاقات الهوية الوطنية ضرورية أيضا للحصول على وظيفة والسفر والانتفاع من الخدمات المجانية مثل التعليم والاستفادة من حقوق المواطنة، كما يعد امتلاك بطاقة الهوية الوطنية شرطا أساسيا للرعاية الطبية.

وحسب الدراسة فإن أكثر من يعاني مشكلة الحرمان من الجنسية هم «التبو» وغيرهم من الأقليات غير العربية، لا سيما المجموعات التي جاءت إلى ليبيا من تشاد والنيجر واستقروا في منازل موقتة في ضواحي بعض المدن الجنوبية، مثل سبها وأوباري. وبمرور الوقت، ازداد التمييز في هذه الأحياء، وأخذ السكان يتلقون مستويات أقل من الخدمات ويواجهون مستويات أعلى من الجرائم. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الأحياء مناطق مفضلة للجماعات المتطرفة العنيفة لتجنيد العناصر.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
بالصور: الحياة تعود إلى جسر «سيدي يونس - الصابري» وسط بنغازي
بالصور: الحياة تعود إلى جسر «سيدي يونس - الصابري» وسط بنغازي
ضبط تاجر مخدرات في بنغازي بحوزته 1100 قرص «كبتاغون»
ضبط تاجر مخدرات في بنغازي بحوزته 1100 قرص «كبتاغون»
ضبط لحوم فاسدة خلال حملة على سوق المنشية في سبها
ضبط لحوم فاسدة خلال حملة على سوق المنشية في سبها
16 إصابة جديدة بـ«كورونا» في ليبيا خلال أسبوع
16 إصابة جديدة بـ«كورونا» في ليبيا خلال أسبوع
انخفاض الدولار مقابل الدينار في السوق الموازية
انخفاض الدولار مقابل الدينار في السوق الموازية
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم
المزيد من بوابة الوسط