انطلقت، مساء الأحد الماضي في المغرب، نهائيات بطولة كأس الأمم الأفريقية بنسختها الخامسة والثلاثين، التي يشارك فيها 24 منتخبا من مختلف أنحاء القارة السمراء. انطلاق البطولة جاء بحفل افتتاح بسيط في شكله، عميق في مضمونه، عبّر عن التاريخ الرياضي والثقافي لأفريقيا.
وعقب الحفل، انطلقت المباراة الافتتاحية بين منتخب البلد المنظم ومنتخب جزر القمر، وسط حضور جماهيري كبير وهتافات لافتة. وبعد مباراة مثيرة ومتوازنة، تمكن المنتخب المغربي من تحقيق الفوز بهدفين من دون مقابل.
والحقيقة أن مملكة المغرب وفرت كل الإمكانات لإنجاح البطولة، من ملاعب حديثة وعصرية إلى بنية تحتية متكاملة، وتكفي الإشارة إلى تخصيص ملعب مستقل لكل منتخب لإجراء تدريباته. وتُعد هذه المرة الثانية التي يستضيف فيها المغرب البطولة، بعد استضافته بطولة 1988، ويبدو واضحا الفارق الكبير في مستوى الاستعداد والتنظيم والدعم بين النسختين.
تاريخيا، لم يحقق المنتخب المغربي لقب بطولة كأس الأمم الأفريقية سوى مرة واحدة، وذلك في عام 1976، على الرغم من مشاركته في العرس القاري عشرين مرة. أما فنيا فقد كشفت المباريات التي لُعبت حتى الآن تطورا ملحوظا في الكرة الأفريقية، وتأكد للجميع أن الفوارق بين المنتخبات تلقصت بشكل كبير، ولم يعد تحقيق الانتصارات على المنافسين أمرا سهلا وميسورا، ما يجعل من الصعب التنبؤ بالمنتخبات التي ستواصل طريقها إلى الأدوار الإقصائية، والمنتخبات التي ستبلغ نصف النهائي، ثم طرفي النهائي.
ووسط السعادة الغامرة التي تلف أرجاء القارة الأفريقية بانطلاق البطولة، خرج الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» بقرار مفاجئ بإقامة بطولة كأس الأمم الأفريقية كل أربع سنوات بدلا من كل عامين، إلى جانب استحداث بطولة جديدة تحت مسمى «دوري أمم أفريقيا».
بطبيعة الحال، انقسمت الآراء حول هذا القرار ما بين مؤيد يرى أن ذلك سيتيح للدول فرصة أفضل للتنظيم الذي يتناسب مع متطلبات الكرة العصرية، ويتجنب تضارب المواعيد مع كأس العالم والدوريات الأوروبية، وآخر معارض يعتبره قرارا صادرا للاستجابة لضغوط خارجية من الاتحاد الدولي «فيفا» والاتحاد الأوروبي «يويفا» على حساب تطور الكرة الأفريقية. ومع مرور الوقت، ستتضح مدى صحة أي من الرأيين، وقرب كل منهما إلى أرض الواقع.
- للاطلاع على العدد «527» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
مع ذلك تبقى الحقيقة المؤكدة هي أن تنظيم بطولات كأس أمم أفريقيا يظل محصورا في عدد محدود من الدول القادرة على توفير متطلبات النجاح، وعلي رأسها دول شمال أفريقيا (المغرب والجزائر وتونس ومصر)، إلى جانب جنوب أفريقيا، وعدد قليل من الدول الأخرى. أما بقية الدول، فلا تزال تعاني ضعف البنية التحتية وقلة الملاعب وصعوبات الإقامة والتنقل، لدرجة أن بعض المنتخبات – كما يُقال – تفرح بخروجها المبكر هربا من الظروف القاسية التي تواجهها، من حيث التغذية وبُعد المسافات وسوء أماكن الإقامة، لهذا يواصل الاتحاد الأفريقي الاعتماد على الدول القادرة على إنجاح البطولات من حيث الجاهزية والتنظيم.
في المقابل، تقف الكرة الليبية خارج هذا المشهد القاري والدولي، فلا مشاركة فعالة في البطولات الأفريقية أو العربية، ولا قدرة على تنظيم دوري محلي ناجح، ما دفع الشارع الرياضي الليبي للتحول مرغما إلى تشجيع منتخبات أخرى في ظل غياب منتخبنا الوطني المظلوم، الذي يحصد نتاج دوري ضعيف، يضم 36 فريقا في الدوري الممتاز و146 فريقا في الدرجة الأولى، فضلا عن أندية الدرجتين الثانية والثالثة، وهو الدوري الوحيد في العالم الذي يُقام من دون جمهور منذ سنوات.
وللأسف، في حالة استمرار النهج نفسه في اختيار القيادات الرياضية خلال السنوات الأخيرة، سيظل الوصول إلى أي نتائج إيجابية على الصعيدين القاري والدولي أمرا بعيد المنال.
تعليقات