رأت جريدة «ذا غارديان» البريطانية أن الولايات المتحدة وإيران غير قادرتين على الاستمرار إلى ما لا نهاية في المواجهة المتصاعدة حول مضيق هرمز، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يتحول إلى كارثة اقتصادية للإيرانيين، بينما يواجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضغوطا لإنهاء الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها بنفسه.
وذكرت في تقرير، نشرته أمس السبت، أن تبادل الضربات بين واشنطن وطهران يكشف حجم الهشاشة وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن الضربات الأميركية الأخيرة، التي وصفها ترامب بأنها مجرد «صفعة خفيفة»، لا تغير حقيقة أن الطرفين عالقان في مواجهة مرتفعة المخاطر يصعب استمرارها طويلا.
فشل واشنطن في الهيمنة
على الرغم من التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة و«إسرائيل» خلال الحرب التي استمرت 38 يوما، مع خسائر محدودة للغاية في صفوفهما، فإن واشنطن فشلت في تحويل هذا التفوق إلى هيمنة استراتيجية كاملة. كما سمحت لإيران بالسيطرة فعليا على مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
- «سي آي أيه»: إيران قد تصمد أمام الحصار البحري الأميركي لـ4 أشهر على الأقل
-إيران تهدد باستهداف «المراكز الأميركية» بالمنطقة في حال مهاجمة ناقلاتها
ويرى التقرير أن أبرز تطور هذا الأسبوع تمثل في انهيار «مشروع الحرية»، الذي أطلقه ترامب، بعد 50 ساعة فقط من بدء تنفيذه. وكانت الخطة الأميركية تهدف إلى إنشاء ممر آمن للسفن التجارية في الجانب العماني من المضيق باستخدام أكثر من مئة مقاتلة ومدمرات بحرية عدة، إلا أن سفينتين تجاريتين فقط استخدمتا الممر قبل توقف المشروع.
وانتهت المبادرة وسط اعتراضات سعودية بسبب عدم التشاور مع الرياض قبل إطلاقها، حيث رفضت المملكة السماح للقوات الأميركية باستخدام أجوائها وقواعدها العسكرية، خشية أن يؤدي المشروع إلى إعادة إشعال الحرب بشكل واسع.
من جهته، قال رئيس تحرير مجلة «لويدز ليست» المتخصصة في الشحن البحري، جريتشارد ميد: «شركات الملاحة لم تتلق أي إحاطات رسمية من الولايات المتحدة،» مضيفا أن فرق الأمن في المنطقة لا تزال مرتبكة بشأن ما يجري، وأن ملاك السفن لا يعتقدون أن المشروع غيّر شيئا على الأرض.
إيران قادرة على تهديد الملاحة
أكد تقرير «ذا غارديان» أن إيران لا تزال تحتفظ بالقدرة على تهديد ناقلات النفط، وإلحاق الضرر بها داخل مضيق هرمز، بل وتعطيل حركة الملاحة بالكامل إذا أرادت ذلك.
وبحسب بيانات «إس أند بي غلوبال ماركت إنتليجنس»، لا تزال أكثر من 1550 سفينة عالقة داخل الخليج، بينما لم تعبر أي سفن تجارية المضيق الأربعاء والخميس الماضيين.
وقالت الباحثة في شؤون الشرق الأوسط بمعهد الخدمات الملكية المتحدة البريطاني، بورجو أوزجيليك، إن إيران أثبتت أنها «خصم شديد الصلابة»، مضيفة أن كثيرين لم يتوقعوا هذا المستوى من القدرة على الصمود.
وأوضحت أن ترامب كان يبحث عن «انتصار سريع»، لكنه لم يكن مستعدا لإرسال القوة العسكرية الضخمة المطلوبة لإسقاط النظام الإيراني فعليًا.
النظام الإيراني أكثر تماسكا
على الرغم من وجود مؤشرات على اضطراب عملية صنع القرار داخل إيران، إلى جانب الغموض المحيط بالحالة الصحية للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، فإن غالبية التقديرات ترى أن النظام الإيراني خرج أكثر تماسكا بفعل الحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية.
وكشفت تسريبات استخباراتية أميركية، هذا الأسبوع، أن إيران لا تزال تحتفظ بنحو 70% من صواريخها، و75% من منصات الإطلاق، بالإضافة إلى ما يقرب من نصف طائرات «شاهد» الهجومية المسيرة.
كما تبدو طهران، بحسب التقرير البريطاني، واثقة من قدرتها على رفض المطالب الأميركية المتعلقة بإنهاء برنامجها النووي بالكامل، التي تشمل تفكيك المنشآت النووية، ووقف التخصيب 20 عاما، وتسليم مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب.
ويرى التقرير أن إيران تدرك أيضا أن ترامب لا يبدو مستعدا لإعادة إطلاق حملة قصف واسعة جديدة، خاصة مع استنزاف جزء كبير من مخزون الصواريخ الأميركية المتطورة خلال عملية «الغضب الملحمي»، التي بلغت تكلفتها نحو 25 مليار دولار.
لكن في المقابل، لا تملك إيران رفاهية الوقت كما تحاول إظهار ذلك خلال المفاوضات، إذ إن الحصار الأميركي لشرق مضيق هرمز يمنعها فعليًا من تصدير نفطها.
وفي محاولة لتعزيز الجبهة الداخلية، قال كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، إن الولايات المتحدة تسعى إلى «تفكيك تماسك الدولة» عبر الحصار البحري، والضغوط الاقتصادية والحرب الإعلامية.
في المقابل، وصف التقرير ترامب بأنه «متقلب وغير صبور»، مشيرا إلى أنه يواجه الآن أزمة سياسية داخلية بسبب اضطراره لمعالجة أزمة اقتصادية عالمية أسهم في صنعها، في وقت تتصاعد فيه معدلات التضخم وتزداد آثار نقص النفط حدة، خصوصا في آسيا، بينما تبقى القوات الأميركية والإيرانية في حالة مواجهة مباشرة ومفتوحة.
تعليقات