زلزال جديد تشهده الإدارة الفدرالية الأميركية بعد قرار الرئيس دونالد ترامب تجميد المساعدات الخارجية، وإعلانه صراحة عزمه دمج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في وزارة الخارجية، بعد أن عملت لقرون كهيئة فدرالية مستقلة، واصفا العاملين بها بـ«المختلين عقليا، ينبغي التخلص منهم، بعدها سنتخذ قرارا بشأن مستقبل الوكالة».
وقد أثارت تصريحات ترامب تلك عاصفة جديدة من الجدل والانتقادات داخل واشنطن، ولا سيما بعدما أكد الملياردير المقرب من الرئيس، إيلون ماسك، وهو المسؤول عن إدارة الكفاءة الحكومية، أنه بصدد غلق الوكالة بموافقة ترامب، متهما إياها في سلسلة من التدوينات عبر منصة «إكس» بـ«الفساد والحزبية السياسية، وعدم الوضوح في توزيع المساعدات والعقود»، لكن دون تقديم دليل واضح لتلك المزاعم.
وبلغت الأزمة ذورتها، السبت، مع قرار إدارة ترامب إقالة إثنين من كبار المسؤولين الأمنيين في الوكالة، لرفضهما وصول أعضاء فريق إدارة الكفاءة الحكومية، التي يرأسها ماسك، إلى المساحات المحظورة، لتخرج بعدها تقارير إعلامية أميركية تفيد بوضع عشرات من مسؤولي وموظفي الوكالة قيد الإجازة الجبرية، مع تسريح آخرين وإغلاق مقر الوكالة الرئيسي في واشنطن، كما أفادت «سي إن إن» الأميركية أمس الإثنين.
شبهات تمويل الإرهاب
في خضم الخلاف الدائر، ألقت بعض التقارير الإعلامية الضوء على اتهامات سبق أن وُجهت إلى وكالة التنمية الأميركية بالفساد وتمويل جهات مشبوهة قد تكون لها صلات بتنظيمات إرهابية في دول تشهد نزاعات مسلحة، مثل أفغانستان وسورية.
ووجدت دراسة أخيرة نشرتها مؤسسة «منتدى الشرق الأوسط» البحثية الأميركية، أمس الإثنين، أن 164 مليون دولار من أموال الوكالة مُنحت إلى منظمات إسلامية ذات «نشاط مشبوه»، بينها 122 مليون دولار وصلت إلى مجموعات متحالفة مع كيانات مدرجة على قوائم الإرهاب.
وتزعم الدراسة، التي تحمل عنوان «تمويل الإرهاب في وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، أنه «يجرى توزيع تمويل وكالة التنمية الأميركية بشكل منتظم على منظمات غير حكومية أجنبية ومحلية ترتبط علانية بشبكات إرهابية في دول مثل سورية وأفغانستان والسودان وإثيوبيا، وغيرها».
- الأمم المتحدة: وقف المساعدات الأميركية قد يتسبب في 1200 حالة إضافية من وفيات الأمهات بأفغانستان
- روبيو يعلن توليه رئاسة الوكالة الأميركية للتنمية لإنهاء «عصيانها» على ترامب
- قاضية تمنع موقتا قرار ترامب تجميد إنفاق المساعدات الفدرالية
وجاء في الدراسة، التي تستند على عقد كامل من الأبحاث والبيانات العامة، أنه «في العام 2018 قدمت منظمة (وورلد فيجن) الخيرية المسيحية العملاقة، بموافقة صريحة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، تمويلا لتنظيم القاعدة في السودان. هذا إلى جانب عدد من المجموعات الجهادية حصلت على تمويل بموافقة من الوكالة».
ووجدت أيضا أنه «جرى منح مليارات إضافية من الأموال الفدرالية لمنظمات إغاثة أميركية فشلت باستمرار في التحقق من شركائها المحليين المرتبطين بالإرهاب، وأظهرت القليل من الاهتمام بتحسين ممارساتها، وسط لامبالاة واضحة من قِبل الحكومة الفدرالية».
كذلك اتهمت الدراسة الوكالة بـ«تمويل بعض منظمات الإغاثة مثل (وورلد فيجن) و(خدمات الإغاثة الكاثوليكية) و(إنترأكشن)، وجميعها تعمل كأدوات مهمة لمنظمات متطرفة مرتبطة بالإرهاب، سواء في الولايات المتحدة أو في الخارج، وحصل هؤلاء على مليارات الدولارات».
كما نشرت منصة «مودرن دبلوماسي» الأوروبية، ومقرها بلغاريا، تقريرا يفيد بوصول تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى حركة «طالبان» في أفغانستان المسيطرة على الهيئات والجهات الحكومية. وتحدثت عن تقارير تفيد بأن ما يقرب من عشرة ملايين دولار من تمويل وكالة التنمية الأميركية وصلت إلى منظمات غير حكومية تابعة لـ«طالبان»، وبالتالي وجدت طريقها إلى خزائن النظام.
ماسك: الوكالة لا يمكن إصلاحها
في سلسلة من التدوينات، وصف ماسك الوكالة الأميركية بأنها «منظمة إجرامية ينبغي إغلاقها»، وأنها «وعاء من الديدان بدون تفاحة لذلك عليك التخلص من الشيء بأكمله لأنه لا يمكن إصلاحه».
كما قدر أن إدارة ترامب قادرة على خفض تريليون دولار من العجز الأميركي العام المقبل، لكنه لم يقدم أي دليل يدعم ادعاءه باحتيال الوكالة أو يشرح كيف توصل إلى مبلغ التريليون دولار، بحسب جريدة «ذا غارديان» البريطانية.
وكرر وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الاتهامات نفسها، حيث قال في تصريحات للصحفيين الإثنين: «يجب أن تتوافق وظائف الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مع السياسة الخارجية الأميركية. إنها وكالة غير مستجيبة على الإطلاق».
وكتب في خطاب إلى رؤساء لجان الشؤون الخارجية في الكونغرس، اطلعت عليه «سي إن إن»، أن «على وزارة الخارجية والجهات الأخرى ذات الصلة التشاور مع الكونغرس واللجان المختصة، لإعادة تنظيم واستيعاب بعض المكاتب والمكاتب والبعثات التابعة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية».
وقد وقع ترامب خلال الأيام الأولى من توليه الرئاسة أمرا تنفيذيا مثيرا للجدل بتجميد المساعدات الخارجية في إطار شعاره «أميركا أولا»، و«لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى». وفي هذا الإطار، يسعى ترامب إلى تقليص الإنفاق الحكومي الفدرالي، والقضاء على ما يعتبره «تضخما في الوكالات الفدرالية بالحكومة».
وجرى إغلاق الموقع الإلكتروني الرسمي للوكالة منذ يوم السبت، ولم يتمكن عديد المستخدمين من الولوج إليه. كما جرت إزالة الشعارات والصور الخاصة بأعمال المساعدات التي تقوم بها الوكالة من جدران مقرها في واشنطن.
ما هي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية؟
تعد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية المانح الأكبر للمساعدات في العالم، ففي العام المالي 2023 وزعت مساعدات بـ72 مليار دولار في جميع أنحاء العالم. وفي العالم 2024، وفرت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية 42% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي رصدتها الأمم المتحدة، حسب «ذا غارديان» البريطانية.
وتشغل الوكالة عشرة آلاف موظف، يتركز ثلثا هؤلاء خارج الولايات المتحدة في أكثر من ستين دولة تعمل بها الوكالة، التي تتشعب أنشطتها في مجالات عدة، بينها صحة المرأة في مناطق النزاع، والتعليم، والوصول إلى الخدمات الطبية والعامة، وأمن الطاقة، ومكافحة الفساد، وتوزيع اللقاحات، ومكافحة الأوبئة، وغيرها.
وقد أنشئت الوكالة في العام 1961 بقرار من الرئيس الأميركي جون كينيدي في ذروة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي سابقا، ومثلت خلال العقود الماضية «ذراع القوة الناعمة للولايات المتحدة»، وكان هدفها الأساسي هو «مواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي على المسرح العالمي».
تعليقات