في وقت تتجه فيه الصين إلى فتح ذراعيها لحلفاء الولايات المتحدة المتضررين من سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التصادمية، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ ترحيب بلاده بتعزيز التعاون مع الدول الأوروبية، مشددًا على أن بكين ترى في أوروبا شريكًا لا غريمًا، وذلك خلال لقائه رئيس وزراء فنلندا بيتري أوربو، في خطوة تعكس سعي الصين لاستثمار التوتر المتصاعد بين واشنطن وحلفائها التقليديين عبر توسيع شراكاتها الاقتصادية والسياسية مع أوروبا.
وأعرب شي جين بينغ، خلال اللقاء، عن ترحيبه بالشركات الفنلندية لـ«السباحة في المحيط الواسع للسوق الصينية» لتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا، داعيًا الجانبين إلى تعميق التعاون متبادل المنفعة في مجالات تحول الطاقة، والاقتصاد الدائري، والزراعة، والصناعات الحرجية، إلى جانب الابتكار العلمي والتكنولوجي، وفق ما أوردت وكالة «شينخوا» الصينية.
وأشار الرئيس الصيني إلى أن فنلندا كانت من أولى الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين، موضحًا أن العلاقات الثنائية، التي تمتد على مدار 76 عامًا، واصلت نموها بشكل مطرد، واستندت إلى الاحترام المتبادل والمساواة والتطلع إلى المستقبل والتعاون المربح للطرفين، بغض النظر عن تقلبات المشهد الدولي.
- رئيسة وزراء اليابان: تحالفنا مع واشنطن مهدد إذا لم نتحرك في حال اندلاع حرب حول تايوان
- كير ستارمر يتوجه مساء الثلاثاء إلى الصين ثم إلى اليابان
- الصين تؤكد أن اتفاقها التجاري مع كندا لا يستهدف «أي طرف ثالث»
- ترامب يهدد كندا برسوم جمركية بنسبة 100% بسبب اتفاقها مع الصين
وفي سياق حديثه عن أولويات بكين المستقبلية، لفت شي إلى أن هذا العام يشهد انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة، مؤكدًا أن الصين ستواصل دفع التنمية عالية الجودة، وتوسيع الانفتاح عالي المعايير أمام العالم، بما يتيح فرصًا أوسع للشركات الأجنبية.
كما دعا شي إلى تعزيز التعاون في مجال الرياضات الشتوية، معتبرًا أن فنلندا قوة رائدة في هذا المجال، فيما برزت الصين خلال السنوات الأخيرة كدولة رئيسية في الرياضات الشتوية، مؤكدًا أن التبادل في هذا القطاع يمكن أن يعزز أواصر الصداقة بين الشعبين. وأعرب في الوقت ذاته عن ترحيبه بزيارة المزيد من الفنلنديين إلى الصين للتعرف على مزيجها الفريد من التراث العريق والحيوية العصرية.
الرئيس الصيني: مستعدون للحفاظ على المنظومة الدولية
وعلى الصعيد الدولي، شدد الرئيس الصيني على أن العالم يواجه مخاطر وتحديات متزايدة، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لمواجهتها، داعيًا الدول الكبرى إلى أن تكون قدوة في تعزيز المساواة واحترام سيادة القانون، والتمسك بالتعاون والنزاهة. وأبدى استعداد الصين للعمل مع فنلندا للحفاظ على المنظومة الدولية التي تتخذ من الأمم المتحدة مركزًا لها، وصون النظام الدولي القائم على القانون الدولي، والتصدي المشترك للتحديات العالمية.
وأكد شي كذلك أن الصين مستعدة لتعزيز عالم متعدد الأقطاب يتسم بالإنصاف والانتظام، وعولمة اقتصادية شاملة ومفيدة للجميع، مشيرًا إلى أن الصين وأوروبا شريكان وليسا خصمين، وأن القواسم المشتركة بينهما تفوق الخلافات، معربًا عن أمله في أن تضطلع فنلندا بدور بنّاء في دعم التنمية الصحية والمستقرة للعلاقات الصينية-الأوروبية.
من جانبه، قال رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو إن بلاده مستعدة للعمل مع الصين لتنفيذ التوافقات التي توصل إليها رئيسا الدولتين، وتعزيز التبادلات رفيعة المستوى، وتعميق التعاون العملي في مجالات التجارة والاستثمار، والاقتصاد الرقمي، والطاقة النظيفة، والزراعة وغيرها. وأكد التزام فنلندا بسياسة «الصين الواحدة»، مشيدًا بالدور المهم والبنّاء الذي تلعبه بكين في الشؤون الدولية.
وأضاف أوربو أن بلاده تدعم الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا، وتؤيد التجارة الحرة، معربًا عن استعداد فنلندا للقيام بدور إيجابي في المساعدة على حل الاحتكاكات التجارية بين أوروبا والصين، وتعزيز التطور السليم للعلاقات بين الجانبين.
تحولات المشهد الدولي
وتأتي هذه التطورات في ظل تحولات أوسع في المشهد الدولي، إذ اتجهت سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السنوات الأخيرة إلى إعادة تعريف علاقة واشنطن بحلفائها الأوروبيين عبر خطاب تصادمي وإجراءات عملية أضعفت الثقة داخل المعسكر الغربي. فقد اعتمدت إدارة ترمب منطق «الصفقات» بدل الشراكات، وضغطت على الدول الأوروبية في ملفات الدفاع والتجارة والطاقة، ولوّحت بفرض رسوم جمركية، وشككت في جدوى حلف شمال الأطلسي، ما دفع عواصم أوروبية إلى البحث عن بدائل توازن النفوذ الأميركي.
وفي هذا السياق، برز التقارب مع الصين كأحد المسارات التي تسلكها دول أوروبية وغربية متضررة من السياسات الأميركية، وهو ما تعكسه الزيارات المتبادلة والتحركات الدبلوماسية المتسارعة. فاستقبال بكين لرئيس وزراء فنلندا، واستعدادها لاستقبال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وقبل ذلك استقبالها رئيس الوزراء الكندي، يعكس سعيًا متناميًا لتنويع الشراكات وبناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية.
اتفاق التجارة بين أوروبا والصين
كما يشكّل اتفاق التجارة بين أوروبا والصين أحد أوجه هذا التجارب، إذ يهدف إلى تعميق الشراكة الاقتصادية وتسهيل وصول الشركات الأوروبية إلى السوق الصينية، مقابل توسيع حضور الاستثمارات الصينية داخل دول الاتحاد الأوروبي. ويُنظر إلى الاتفاق كأداة استراتيجية تمنح أوروبا هامش استقلال أكبر في علاقاتها الاقتصادية، وتقلّل من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، خاصة في ظل السياسات التجارية التصادمية التي انتهجتها إدارة ترمب.
وفي المقابل، ترى بكين في الاتفاق فرصة لترسيخ حضورها داخل أكبر سوق موحدة في العالم، وتقديم نفسها كشريك تجاري مستقر في نظام دولي يشهد تصاعد الحمائية والتوترات الجيوسياسية، ما يجعل الاتفاق ورقة اقتصادية ذات أبعاد سياسية تتجاوز مجرد التبادل التجاري.
تعليقات