تحت عنوان «هيرودوت يتحدث عن ليبيا والليبيين» احتضن مجمع اللغة العربية، السبت، محاضرة للدكتور محمد الذويب، أدار المحاضرة الدكتور محمد بن الحاج نائب رئيس المجمع.
الذويب تناول خلال المحاضرة المعلومات والمشاهدات التي أوردها المؤرخ اليوناني هيرودوت عن ليبيا وما يتعلق بجغرافيتها وسكانها وعاداتهم وتقاليدهم.
أوضح الدكتور محمد الذويب أن هيرودوت ينتمي إلى مؤرخي القرن الخامس قبل الميلاد، فهو من مواليد 484 قبل الميلاد بمنطقة هلكيرناسيوس الواقعة بمدينة بودرم التركية، كما أن القرن الخامس شهد ما قبله التوسع الإغريقي خارج حدوده الجغرافية، مثل آسيا الصغرى والجنوب الإيطالي وكذا الشمال الأفريقي فيما عرف بإقليم سيريناكا.
أضاف الذويب أن كل المدن المذكورة تحاول تأكيد انتماء هيرودوت لها، بسبب ما وصل إليه من شهرة، مشيرا إلى أن هيرودوت تنقل بين مناطق ومدن العالم القديم، وكانت آثينا من ضمن تلك المناطق، فيما تذكر بعض الروايات زيارته لليبيا دون الوصول إلى تأكيدات بالخصوص.
الصحافة والأدب والتاريخ
وتعرض الذويب للسؤال البحثي: هل كان هيرودوت مؤرخا أم أديبا أم جمع بين الصفتين؟ يجيب الذويب أن التاريخ كان يصنف في بلاد الإغريق ضمن حقول الأدب، وبالتالي نستحضر للإجابة عن السؤال التعريف الحديث للتاريخ، وبالرجوع إلى ما دونه هيرودوت في كتابه نلحظ كتابه لمفردة هيستورية وتعني في اللغة اليونانية القديمة (أروي وأقص بعد استقصاء).
وقال: وإذا ما قمنا بمقارنة ملحمة هوميروس وتاريخ هيرودوت، نجد أن هوميروس أرخ للمؤلهين بينما نجد هيرودوت كما يصفه مؤيدوه أنه أنزل التاريخ من السماء إلى الأرض، واستخدم منهجية جديدة للكتابة خلافا لهوميروس.
وواصل الدكتور الذويب: هيرودوت ألف عملا أسماه التاريخ أو التواريخ، ولم يقم بتقسيمه إلى أجزاء، إلا أن القائمين على مكتبة الإسكندرية عندما قاموا بنسخ الروايات الشفهية صنفوها إلى تسعة كتب، وخص ليبيا في كتابه الرابع، وفيما يتعلق بإطلاق صفة «أب التاريخ» أشار الذويب إلى أن التسمية أطلقها عليه المؤرخ شيشرون.
- للاطلاع على العدد «542» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ومن جانب آخر ذكر الذويب أنه على الرغم من المدح الذي ناله هيرودوت تعرض في العصر الحديث إلى النقد، بعد أن أصبح التاريخ يدرس كعلم، حيث وصفه البعض بالصحفي بحكم تجواله وتنقله من جغرافيا لأخرى ونقل الأخبار.
وآخرون ينتقدون فيه إدخال عناصر عجيبة في التاريخ لا تتفق وواقع الحياة، إضافة إلى عدم تمحيص الروايات، ويعلق الذويب بقوله «بالنظر إلى جهود هيرودوت في باب المقارنات وتسجيل ماقيل له ونقده أحيانا إلى جانب مشاهداته وانطباعاته ومحاولاته في البحث عن الأسباب لبعض الأحداث والظواهر نجد أنه يستحق صفة المؤسس الفعلي لعلم التاريخ».
هيرودوت وليبيا ومصدر معلوماته
يعود الدكتور الذويب إلى التذكير بالسؤال السابق وهو هل زار هيرودوت ليبيا؟ ويجيب وفقا للاستشهادات أنه حتى وإن لم يزر ليبيا فقد اقترب منها عبر ذكره لمصر ومعبد آمون بسيوة، ونعرف أن سيوة والجغبوب هما واحتان كانتا تحملان نفس الاسم وهو (آمون)، ونرى بالتالي أن بعض القرائن تشير إلى زيارته لليبيا وبين هذا وذاك لا يمكن النفي أو تأكيد واقع الزيارة بقدر ما نتوخى عرض ما كتبه ودونه هيرودوت نفسه والمحت إليه بعض المصادر.
ويردف الذويب: دائما في البحث العلمي ننظر إلى مصدر المعلومات، وإذا نظرنا إلى ما تناوله هيرودوت من معلومات، نجد أنه استمدها من الحضارة الفرعونية باعتبار أن الإغريق استفادوا من الحضارة الفرعونية أو من الأساطير الإغريقية وهي بوابة مهمة لمعرفة التاريخ القديم.
يضيف الذويب: عندما وردت ليبيا في الأساطير استخدم الإغريق هذه الأسطورة في إضفاء القدسية على تأسيسهم لمدينة (كيريني) أي (قورينا)، مضيفا أن الأساطير التي اعتمد عليها أوردت الكثير من المعلومات فمثلا هوميروس ذكر أن ليبيا فيها النعاج تلد الخراف بقرونها أثناء الولادة أو بعد الولادة مباشرة. وهو دليل على الخصوبة ومؤشر اقتصادي أن الليبيين لا ينقصهم اللحم والجبن، وبذا فما أورده هوميروس في أساطيره نجد صدى له عند هيرودوت، كذلك بعض المعلومات الجغرافية التي سبقها إليه هيكاتوس في القرن السادس وكيفية تصوره للعالم القديم.
يشير الذويب إلى أن هيرودوت وزع المعلومات التي كان المفترض أن تكون في أبواب مختلفة داخل كتابه على عدة أجزاء، حيث انتقد في كتابه الثاني تقسيم الأيونيين للعالم إلى أوروبا وآسيا وليبيا، واستمر هذا التقسيم حتى العصر الروماني حيث استبدلوا اسم ليبيا بأفريقيا وجعلوا ليبيا إقليما في أقصى الشرق.
عن السكان والاقتصاد وأنماط العيش
يتابع الذويب: عندما تحدث هيرودوت عن السكان بدأ من مصر واتجه غربا وعدد أسماء القبائل التي تسكن الشمال الأفريقي وأورد اسم 22 قبيلة وأطلق على اسم هذه القبائل (ليبيين) وكذا ذكره لعاداتها وأصول تلك العادات، كما تحدث عن اقتصاديات هذه المنطقة وأول من تحدث عن نبات السلفيوم، إضافة لتناوله بعض عادات السكان في الحلاقة والزغاريد واللباس وإشارته إلى أن الربة آثينا (آلهة الحكمة) اقتبست لباسها من زي النساء الليبيات.
كذلك تحدث عن العربات التي تجرها أربعة خيول ووجدت في آثار بالوصف نفسه، وهذا يعزز مصداقية بعض المعلومات التي أوردها.
وفي الاقتصاد أشار الدكتور الذويب إلى ما ذكره هيرودوت عن التجارة الصامتة حيث يأتي التجار إلى المناطق الساحلية ويقومون بترتيب السلع على الشاطئ ويرجعون إلى السفن ويشعلون النيران حتى يتصاعد الدخان دلالة القدوم. وبدورهم يأتي السكان المحليَون لوضع قيم مالية عليها ثم يبتعدوا ويأتي التجار للتأكد من القيمة ثم تجري عملية التسليم والاستلام.
وعن أنماط العيش يقول الذويب: «تحدث هيرودوت عن الأغنام التي أوردها هوميروس وأن ليبيا موطن الأغنام وسكانها يتناولون اللحوم والأجبان كما يتناولون نبات اللوتس الذي يسبب النسيان».
تعليقات