تعكس صورة «الفندق الكبير» في مدينة «طرابلس» مقارنةً بين الماضي والحاضر حجم التحوّل الذي شهدته العمارة في العاصمة الليبية، حيث يظهر المبنى في صورته القديمة بتفاصيل معمارية كلاسيكية متأثرة بالطراز «المتوسطي» و«الإيطالي»، مقابل شكله الحالي الذي تحيط به كتل إسمنتية حديثة ذات طابع وظيفي يغلب عليه التجريد والامتداد الأفقي.
في الماضي، تميز «الفندق الكبير» بواجهته المتناسقة، والأقواس، والشرفات، والنسب المدروسة التي كانت تمنح المبنى حضورًا بصريًا متوازنًا، منسجمًا مع محيطه العمراني. وقد كانت العمارة في طرابلس آنذاك تميل إلى الجمع بين «الجمال» و«الوظيفة»، مع اهتمام واضح بالتفاصيل والزخرفة والانسجام مع الفضاء العام.
-«مسرح الميراماري».. ذاكرة طرابلس الثقافية وصوت الفن المطل على «المتوسط»
-الهيئة الليبية للعمارة تنظّم جلسة حوارية حول «أسرار السرايا» في المدينة القديمة بطرابلس
أما في الحاضر، فقد طرأ تغيير واضح على المشهد المعماري، ليس فقط على «الفندق الكبير»، بل على المباني المحيطة به وفي المدينة بشكل عام، حيث طغت العمارة الحديثة ذات الطابع التجاري والاستثماري، المعتمدة على الارتفاعات المتكررة والواجهات المتشابهة، مع تراجع الاهتمام بالهوية المعمارية المحلية.
ويُعزى هذا التحول إلى عدة أسباب، من أبرزها «التوسع العمراني السريع»، و«النمو السكاني»، و«غياب التخطيط الحضري طويل المدى»، إضافة إلى «تأثيرات التحولات السياسية والاقتصادية» التي مرت بها البلاد، ما أدى إلى التركيز على الحلول السريعة والعملية على حساب البعد الجمالي والتاريخي.
كما أسهم «ضعف التشريعات العمرانية» و«غياب الرقابة الصارمة» في فقدان الكثير من المباني الجديدة لخصوصيتها المعمارية، مقابل تراجع جهود الحفاظ على المباني التاريخية أو دمجها ضمن رؤية عمرانية تحترم الذاكرة البصرية للمدينة.
وتبقى صورة «الفندق الكبير» شاهدًا بصريًا على هذا التحول، تفتح باب النقاش حول ضرورة إعادة التفكير في مستقبل العمارة في «طرابلس»، بما يوازن بين التطور العمراني والحفاظ على الهوية، ويعيد للمدينة بعضًا من ملامحها الجمالية التي شكّلت جزءًا من تاريخها ووجدانها.
تعليقات