Atwasat

بلد الطيوب: ربع قرن من تحويل الذاكرة إلى هوية.. والإبداع إلى معنى!

طارق القزيري الأربعاء 24 سبتمبر 2025, 09:50 صباحا

يصادف هذا الأسبوع مرور ربع قرن على شاهد فريد من المبادرة الفردية إلى المؤسسة الثقافية، إذ اقتحم موقع «بلد الطيوب» مسيرة الـ«ربع قرن» كنموذج فريد للمبادرات الثقافية العربية التي نجحت في تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة حيوية للإبداع والتوثيق الأدبي. وقد جرى تكريم الموقع ومؤسسه بالفعل قبل شهور (مارس 2025).

BCD Ad BCD Ad

الرسالة والرؤية: توثيق الهوية وكسر العزلة
فمنذ تأسيسه في منتصف التسعينيات على يد الكاتب والشاعر رامز النويصري، تطور الموقع من منصة ومبادرة شخصية إلى مؤسسة ثقافية شاملة تحتضن الذاكرة الجماعية الليبية وتصون تراثها الأدبي والفني.

انطلق الموقع برسالة واضحة تهدف إلى توثيق ونشر الأدب الليبي وفتح آفاق التواصل مع القراء والنقاد خارج ليبيا. وقد نجح في تحقيق هذه الرؤية عبر بناء قاعدة بيانات ضخمة للأدباء والنقاد والكتاب الليبيين، مقدماً صورة بانورامية شاملة للمشهد الثقافي الليبي بكل تنوعه وثرائه.

لعب الموقع دوراً محورياً في كسر العزلة الثقافية التي فرضتها ظروف الحرب والانقسامات السياسية، حيث ظل نافذة مفتوحة للكتّاب للنشر بحرية، خاصة في سنوات الاضطراب. ونشر دواوين ومقالات ودراسات عن آثار الحرب ودور الأدب في المصالحة الوطنية، واحتضن أعمالاً رصدت تحولات المجتمع الليبي ونسيجه الثقافي.

بنية المحتوى: من الأرشفة إلى «منشورات الطيوب»
يتمتع موقع «بلد الطيوب» ببنية شاملة للمحتوى الثقافي، حيث التنوع في الأقسام والملفات مثل: التوثيق البيبليوغرافي الشامل للإنتاج الأدبي الليبي، والحوارات المعمقة مع الكتّاب والمبدعين، والدراسات النقدية المتخصصة، والنصوص الشعرية والنثرية المعاصرة والكلاسيكية، وملفات التراث الشعبي والثقافة الشفهية، وقوائم إلكترونية غنية بالكتب والمجلات والدواوين.

تكريم الموقع الثقافي الليبي «بلد الطيوب»
- رامز النويصري: للأسف النظرة الريعية للعمل الثقافي متوطنة فينا
قلادة «الكون» للشاعر رامز النويصري

وعلاوة على ما تقدم، أطلق الموقع مبادرة «منشورات الطيوب» لنشر الكتب إلكترونياً، مما يتيح وصول الإنتاج الأدبي الليبي إلى نطاق أوسع عربياً وعالمياً.

وساعدت هذه المبادرة على سرعة نشر الدواوين والروايات الجديدة وإيصالها لجمهور واسع دون عوائق جغرافية أو مالية، خاصة في ظل تراجع واقع النشر الورقي.

أجيال تكتب وأصوات تتسع: الاحتضان والحوار النقدي
الموقع من أوائل المنصات الليبية التي أفسحت المجال أمام النصوص الحديثة للنشر، ففي وقت ساد فيه غياب المنابر التقليدية أو محدودية مساحة النشر.

وأتاح «بلد الطيوب» للكتّاب الشباب فرصة الوصول إلى جمهور متنوع وتوثيق أعمالهم رقمياً، مساعدة إياهم على تجاوز عوائق الرقابة أو الإقصاء الثقافي.

ومن خلال تمكين الأصوات المهمشة، لعب الموقع دوراً رائداً في إبراز الأصوات النسائية وتشجيع تجارب أدبية متميزة لشاعرات وقاصات ليبيات، كما قدم حيزاً للأسماء الأقل حضوراً في الفضاء الثقافي، مضيفاً إلى التعددية الغنية للأدب الليبي الحديث.

وسجل «بلد الطيوب» عبر رعاية الحوار والنقد الأدبي فضاءً حيوياً للنقاش حول قضايا الأدب الليبي الحديث.

فقد شارك كتّاب ونقاد في مناقشة الظواهر الأدبية المعاصرة، وفتح الباب أمام مقالات الرأي والنقد وقراءات في نصوص الشباب، مساهماً في تطوير أساليب النشر والتلقي عبر الإنترنت.

ونجح الموقع في الوصول إلى جمهور محلي وعربي موسع بسرعة فائقة، وتسهيل النقاش الحي بين الأدباء والقراء، ترسيخ حضور الأدب الليبي في الفضاء العربي الرقمي، كما ساهم بشكل جلي في خلق هوية أدبية رقمية حديثة تربط المثقفين الليبيين في الداخل والخارج.

وفي محور الحفاظ على الهوية والذاكرة، يجسد موقع «بلد الطيوب» مفهوم الثقافة كممارسة حية ومتطورة، حيث نجح في حفظ الذاكرة الجماعية من خلال التوثيق الشامل للإنتاج الأدبي عبر جيلين.

كل هذا جعله حاسماً في صون التراث وتجديده بالجمع بين توثيق التراث الشعبي واحتضان التجارب الحداثية، إضافة لبناء الجسور الثقافية بين الأجيال المختلفة والمدارس الأدبية المتنوعة، وليس آخراً مقاومة التفتت الثقافي في زمن الحروب والانقسامات السياسية.

أما إجرائياً وفي تعزيز الإبداع، فكان معامل التجريب والتجديد لازمة أساس للموقع وصاحبه، في تعزيز الإبداع الأدبي من خلال توفير مساحات للتجريب في الأساليب والأشكال الأدبية الجديدة، وتشجيع التنوع الإبداعي باحتضان مختلف الأجناس الأدبية والتيارات الفكرية، ودعم الابتكار الرقمي في طرق النشر والتواصل مع الجمهور، ليسهم في تحفيز التفاعل النقدي الذي يثري التجربة الإبداعية ويطورها.

الاستدامة والشراكات: «ربيع شرير» وتعزيز المسار!
ولا يمكن المرور وإغفال دور ربيع شرير في ضمان الاستمرارية والتطور، وكنقطة تعزيز مفصلية في مسيرة موقع «بلد الطيوب»، حيث أسهم «شرير» عبر مؤسسة تاسيلي منذ 2019 في تعزيز مسار «بلد الطيوب» وترسيخ استدامته، بتقوية البنية التقنية وتوسعة الاستضافة وتطوير أدوات النشر.

وامتد الدعم إلى رؤية مؤسسية عملية شملت إطلاق مبادرات نوعية كجائزة «أحمد إبراهيم الفقيه» وبرامج دعم المؤلفين، بما عزز قدرة الموقع على الاستمرار والتطور دون كسر روحه المؤسسة، لكن هذا بالذات جاء بعد أقل قليلاً من 20 عاماً على العطاء، ما يعني أن صمود المبادرة خلق مبررات الدعم والاحتضان.

الفرد والمجموع الثقافي: شهادة اعتبار
وهكذا، يبقى موقع «بلد الطيوب» وفريقه، وطبعاً قائده «رامز النويصري» شاهداً على أن الثقافة الحقيقية هي في هذا التضافر، حين تتجسد الهوية الوطنية لا كقالب صلب، بل ككائن حي يتنفس بذاكرة الماضي ويعيد خلق ذاته في كل لحظة من التوتر الخلّاق بين الحلم الفردي والجهد الجمعي، بين نزق المبدع، وانضباط البنية، بين الهشاشة التي تكتب القصيدة، والقوة التي تحفظها من الضياع… ليضوع «الطيب من بلده».

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
الأرشيف الرقمي الليبي ينطلق بـ180 كتابًا بينها مذكرات أول سفير تركي في ليبيا
الأرشيف الرقمي الليبي ينطلق بـ180 كتابًا بينها مذكرات أول سفير ...
الزاوية تستعد لاحتضان معرض للفنون التشكيلية تحت شعار «فلنكن يداً واحدة من أجلها»
الزاوية تستعد لاحتضان معرض للفنون التشكيلية تحت شعار «فلنكن يداً ...
«الجمعية الليبية للفنون التشكيلية» تواصل استعداداتها لإطلاق معرض «رؤى معاصرة» بقصر الخلد
«الجمعية الليبية للفنون التشكيلية» تواصل استعداداتها لإطلاق معرض ...
سعاد خليل تحصد جائزتين دوليتين جديدتين وتعلن التوقف عن المشاركة في المسابقات الأدبية
سعاد خليل تحصد جائزتين دوليتين جديدتين وتعلن التوقف عن المشاركة ...
«صقر وكناريا» في دور العرض.. محمد إمام وشيكو في مغامرة أكشن كوميدية (فيديو)
«صقر وكناريا» في دور العرض.. محمد إمام وشيكو في مغامرة أكشن ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم