في كتابه الصادر عن دار الرواد يتابع الكاتب صالح الحاراتي رصد مظاهر الثقافة الجمعية وأبعادها الاجتماعية والنفسية والثقافية مقتفياً الألفاظ والأمثلة والمصطلحات التي اتفقت الذائقة المجتمعية على تداولها وأصبحت جزءاً من قاموسها ونسيجها الكلي، وهنا نحاول عرض جزء من مادة الكتاب والتعريف به.
في مقال (سفنزة لكل مواطن) يرى الحاراتي أن دلالة (السفنز) هي كل الحاجات الأساسية للمواطن، هي قاعدة المجتمع الأساسية، فدون أن يتوفر الخبز لكل الناس لا نستطيع إقناع الناس بكل القيم الروحية والمعنوية في غياب أساسيات البقاء على الحياة، فمن دون تحرير الإنسان من حاجته المعيشية لا يمكن الحديث عن القيم المعنوية التي يمكن لهذا الإنسان أن ينتفع بها.
- للاطلاع على العدد «469» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويتابع الحاراتي: لا يمكن للإنسان الالتفات إلى باقي الضرورات لأنها تبقى عاجزة عن سد رمق هذا الإنسان حين يجوع .. ألا تلاحظون امتعاض وغضب الناس وحنينهم لتذكر أيام «العشر فردات بربع»، ولذا فبعد أن يتوفر الخبز لكل الناس نستطيع القول عندها (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان).
ثنائية الطعام والهوية
وتحت عنوان «زميطة» وهي أحد الأطعمة التقليدية في بلادنا وأساس مكوناته الشعير، يرمز الحاراتي إلى توضيح مسألة علاقة الطعام بالثقافة؛ إذ كل مجتمع يحاول تأصيل هويته بانفراده بثقافة طعامه التي تختلف عن الآخرين، كما لا يمكن إنكار علاقة الطعام بثقافة أي مجتمع وموارده الطبيعية، وطبيعة البيئة التي يسكنها، فمعلوم أن (الهمبرغر والكنتاكي) يشيران تلقائياً في أذهاننا إلى أميركا والبيتزا والاسباغيتي إلى إيطاليا، وعند ذكر المكسيك نستدعي (الفاهيتا) واليابان (السوشي).
يضيف الحاراتي «لعلنا نتذكر عندما قامت منظمة اليونسكو بإدراج الكسكسي ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي لعدة دول مغاربية ولم تذكر ليبيا، ثم تداركت الحكومة في ليبيا وقامت بإتمام بعض الإجراءات لتتم إضافتها لتلك الدول، وكان يفترض أن يجري توثيق كل ما هو خاص بالمأكولات التقليدية الليبية، وليس فقط الأكلات، وأظن حان الوقت لكي نسعى لإدراج البازين والزميطة والمثرودة والفتات والعصيدة أيضا ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي في ليبيا».
واتصالاً بالمأكولات يحاول الحاراتي في مقال بعنوان (امبكبكة) وهي أكلة شعبية فهم ثنائية الطعام والهوية، أي أوجه التداخل وتبادل الأدوار بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي، ثم أوجه العلاقة بين الطعام والسياسة حيث يقول: (المبكبكة كلة ليبية واسم الدلع لها هو (البكبوكي) ويقول عنها بعض أهل السياسة الظرفاء أنها أكلة ديمقراطية حيث تتمثل بها معظم القيم والآليات الديمقرطية ومنها قيم التعددية، فمكوناتها تختلف حسب نوع المكرونة .... وإذا كانت الديمقراطية تدعو إلى مشاركة واسعة من أطياف المجتمع في الشأن العام فإن ذلك يدعونا إلى ملاحظة هذا الأمر مع (المبكبكة)، إذ من المعلوم أن الاستمتاع بأكل المبكبكة يكون عندما تؤكل في جماعة وليس بشكل فردي وهنا تكمن قيمة الآخر والتعايش والمشاركة.
فوضى وانتماء بدائي
وعن «الهردميسة» والتي تعني في اللهجة الليبية الفوضى يرى الحاراتي في هذا المقال أن عوامل ساهمت في تشكيل المشهد الفوضوي الحالي وهو الانتماء البدائي، إذ يصعب في المجتمعات النامية كحالتنا أن ينتمي الناس لفكرة ما، ولكن الانتماء البدائي، يغلب ويتغلب على أي انتماء فكري، ولهذا من الصعب أن يجري تقييم الأفراد حسب الأيديولوجيا وعالم الأفكار، فالانتماء البدائي ينتمي من الدائرة الضيقة (الأسرة والأقارب والحي والقرية والمدينة والقبيلة والجهة والإقليم) ويكون الانتماء للوطن في آخر القائمة.
- للاطلاع على العدد «469» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويضيف الحاراتي: لو أقررنا بذلك يتضح لنا سبب المتناقضات التي نراها في المشهد، حيث لاعقلانية في التحالفات القائمة وتجد الولاء لمدينة ما يجيز الارتباط بين الداعشي ومن ينتمي إلى التيار المدني، المهم أن من يحكم ويستولي على السلطة (مننا وعلينا).
يفرد الحاراتي مقالاً ساخراً عن (القرمة) وهي في لهجتنا المحلية الحديث عن الآخرين في غيابهم، ويمضي الكاتب متسائلاً: هل بالإمكان أن تتحول القرمة إلى شيء إيجابي؟ ويحاول الحاراتي الإجابة بالقول: هناك من يصفها بالإيجابية عندما تتناول القرمة مسألة نقد السلوك وليس تشويه الأشخاص والتشهير بهم، فالنقد مسألة مهمة وضرورية لأجل الإصلاح، وهو يختلف عن القرمة في إظهاره المحاسن والعيوب في آن واحد وليس العيوب فقط كما تنحو القرمة.
وفي تفسيره لإحدى الظواهر النفسية يتوقف الكاتب تحت عنوان (عركة) عند تفسير مشهد شاب عشريني يتلقى الضربات من مجموعة شباب .. يعلق بالقول: توقف عقلي عن جلد الذات بحثاً عن النصف الملآن ولكن وفي مثل هذا الموقف الذي شاهدته وغيره كثير، وعندما يلوح لنا جانب مظلم يجب أن نعترف بأن هناك بؤرة عنف بداخلنا، وأن العنف وسيلة مقبولة للتعبير عن الرأي، لأننا نعيش واقعاً يتأرجح بين ادعاء التحضر والمدنية من جهة وبين مستنقع من الوهم والعنف راكد في تلافيف أدمغتنا .. هناك الكثير من التفسيرات للعنف المنتشر وجميعها تقصر عن فهم سياقات العنف ودوافعه والقبول المجتمعي له، وتحوله مع الوقت إلى ظاهرة اعتيادية.
تعليقات