ذوبان التربة الصقيعية.. قنبلة موقوتة للمناخ

صورة في بلدة أبيسكو السويدية، 24 أغسطس 2021 (أ ف ب)

يقع مستنقع ستوردالن الشاسع المليء ببرك موحلة بين جبال مغطاة بالثلوج حيث تنبعث رائحة بيض فاسد في الهواء النقي لأقصى الشمال السويدي.

في هذا المكان الواقع بالقطب الشمالي على مسافة نحو عشرة كيلومترات من بلدة أبيسكو الصغيرة، تسير وتيرة الاحترار المناخي أسرع ثلاث مرات من أي مكان آخر في العالم.

على هذا المستنقع المليء بالخث والمغطى بخصل من الحشائش وشجيرات التوت الأزرق والبرتقالي والأزهار البيضاء، قمرة مشابهة لكبسولة فضائية تظهر أهمية هذا المكان المفقود على حافة العالم، وفق «فرانس برس».

هنا، يدرس العلماء ذوبان التربة الجوفية المتجمدة المعروفة باسم التربة الصقيعية. عندما يتنقل الباحث كيث لارسون فوق الألواح الخشبية الموضوعة على شكل شبكة بغية السير فوق أحواض المستنقعات لإجراء اختباراته، يغرق الهيكل في المستنقع وتظهر فقاعات على سطحه.

وتنبعث منه رائحة يمكن تمييزها بسهولة صادرة عن كبريتيد الهيدروجين الذي يشار إليه أحيانا باسم «غاز المستنقعات». لكن ما يثير قلق العلماء هو غاز آخر عديم الرائحة في حالته الطبيعية ينبعث معه: الميثان. واليوم، تنبعث في الهواء غازات الدفيئة التي بقيت محبوسة لفترة طويلة في التربة الصقيعية.

بين الميثان وثاني أكسيد الكربون، تحوي التربة الصقيعية نحو 1.7 تريليون طن من الكربون العضوي، أي تقريبا ضعف كمية الكربون الموجودة في الغلاف الجوي. يبقى الميثان 12 عاما في الغلاف الجوي، مقارنة بثاني أكسيد الكربون الذي يبقى قرونا، لكنّ تأثيره كواحد من غازات الدفيئة أقوى 25 مرة من تأثير ثاني أكسيد الكربون. وحذر العلماء من أن ذوبان التربة الصقيعية «قنبلة موقوتة».

حلقة مفرغة
في السبعينيات، «عندما بدأ الباحثون إجراء دراسات على هذه الأراضي، لم تكن هذه البرك موجودة»، كما يقول لارسون المنسق في مركز الأبحاث حول تأثير الاحترار المناخي في جامعة أوميا السويدية ومقره في محطة أبيسكو للبحوث العلمية.

ويشرح الباحث الذي يقيس ما يسمى عمق الطبقة «النشطة» من التربة الصقيعية، وهو الجزء الذي يذوب في الصيف، عبر إدخاله قضيبا معدنيا في الأرض «لم يشموا في تلك المرحلة رائحة كبريتيد الهيدروجين المرفق بالميثان المتسرب».

تمتد التربة الصقيعية، وهي التربة التي تبقى مجمدة لمدة عامين متتاليين، تحت ربع الأرض في نصف الكرة الشمالي. في أبيسكو، تصل سماكتها إلى عشرات الأمتار وهي موجودة منذ آلاف السنوات. وفي سيبيريا، قد تبلغ سماكتها أكثر من كيلومتر وقد يكون عمرها أكثر من مئات الآلاف من السنوات.

مع ارتفاع درجات الحرارة، تبدأ التربة الصقيعية بالذوبان. تفكك البكتيريا الموجودة في التربة الكتلة الحيوية المخزنة في التربة المجمدة، ما يسبب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان وغازات الدفيئة والتي بدورها تسرّع من ظاهرة الاحترار المناخي. إنها حلقة مفرغة.

في مكان قريب من أبيكسو، في مستنقع ستورفلاكيت، تدرس الباحثة مارغريتا يوهانسون ذوبان التربة الصقيعية منذ 13 عاما وهي لاحظت أن الطبقة «النشطة» تتسع عاما بعد عام.

تقول عالمة الجيوفيزياء من جامعة لوند السويدية لوكالة «فرانس برس»، «منذ بدء تسجيل المقاسات العام 1978، ازدادت سماكتها من سبعة إلى 13 سنتيمترا كل عشر سنوات». وتتابع «هذه الثلاجة التي أبقت النباتات مجمدة لآلاف السنوات تخزن الكربون الذي ينبعث مع ازدياد سماكة الطبقة النشطة».

نقطة تحوّل؟
بحلول العام 2100، إذا لم تقلّل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، قد تذوب التربة الصقيعية «بشكل كبير» كما يحذر علماء من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة.

ارتفع متوسط درجة الحرارة السنوية في القطب الشمالي 3.1 درجات مئوية منذ نصف قرن مقارنة بدرجة مئوية للكوكب ككل، وفق برنامج رصد وتقييم المنطقة القطبية الشمالية.

هل يمكن أن تصل التربة الصقيعية إلى «نقطة تحوّل» مناخية، هذه العتبة الحرجة التي يصبح بعدها إطلاق ثاني أكسيد الكربون والميثان أمرا حتميا وتغيير النظام البيئي لا رجعة فيه، مع خطر إفساد نظام الكواكب بكامله؟

ويشعر العلماء بالقلق، على سبيل المثال، من رؤية غابات الأمازون المدارية تتحول إلى سهول واختفاء القمم الجليدية في غرينلاند وغرب أنتاركتيكا. يقول غوستاف هوييلييوس الخبير في دورات الكربون والتربة الصقيعية في جامعة ستوكهولم: «إذا تسرب كل الكربون المتجمد (من التربة الصقيعية)، سيؤدي ذلك إلى زيادة تركيز الكربون في الغلاف الجوي بمقدار ثلاث مرات تقريبا»، مضيفا أن هذا الأمر لا يحدث فجأة بل خلال عقود وقرون.

والمشكلة الرئيسية هي أن ذوبان التربة الصقيعية وإطلاق الكربون سيستمران حتى لو توقفت كل الانبعاثات البشرية على الفور. ويضيف هوييلييوس «لقد قمنا للتو بتنشيط نظام من شأنه أن يتفاعل لفترة طويلة جدا».

المزيد من بوابة الوسط