جليد القطب الشمالي ضحية وشاهد على الاحترار المناخي

كاسحة الجليد الروسية «50 ليت بوبيدي» ذات الدفع النووي في القطب الشمالي، 18 أغسطس 2021 (أ ف ب)

تشق كاسحة جليد طريقها نحو القطب الشمالي. لكن المساحة الشاسعة البيضاء لا تعني بتاتًا أن الاحترار المناخي ليس موجودًا، ففي ذاكرة الجليد الشاهد على التغير المناخي أسىً جعله ضحية تحوّلات مناخ الكوكب.

ويقود ديمتري لوبوسوف منذ ثلاثة عشر عامًا سفينة «50 ليت بوبيدي» (50 سنة من النصر)، وهي واحدة من السفن النووية الضخمة التي صمّمتها روسيا لضمان تفوقها البحري في القطب الشمالي من أجل استكشافها الموارد الطبيعية وطرق التجارة الناشئة، من باب الأولويات الاستراتيجية التي حدّدها الرئيس فلاديمير بوتين، وفق «فرانس برس».

ويمضي القبطان البالغ 57 عامًا مداورة أربعة أشهر في البحر وأربعة أخرى على البر، وهو يعشق الطوف الجليدي الذي تخترقه كاسحة الجليد الضخمة الحمراء والسوداء. ويُسمع صوت تشقق الجليد تحت السفينة في الجوّ الذي يعمّه السكون كون السفينة تصدر صوتًا خافتًا جدًا.

وينزلق هذا الوحش المعدني الذي يبلغ طوله 159.6 متر مثل المزلجة على الجليد حتى في أدنى سرعات سير السفينة.

وفي خليج إيسن، قبالة جزيرة زيمليا جورغا، يقبع دب قطبي ويتشمس بالقرب من ممرّ الأسطول النووي لوكالة روساتوم الروسية النووية. ويقول القبطان وهو في مهمّة إظهار القطب الشمالي لطلاب مدارس ثانوية فازوا في مسابقة علمية «إن الدببة هي الأهم هنا، هذا منزلها. نحن نمرّ من المكان فقط. إذا اعترضت طريقنا، فإننا نبطئ سرعتنا أو نتجاوزها».

ووصلت كاسحة الجليد في سفينته إلى التسعين درجة شمالًا 59 مرّة، وأصبح البحّار خبيرًا في المنطقة وتحولاتها. وبعد ثلاثين عامًا في البحر، جلّ ما يفهم به هو هذا الجليد الذي يكسحه والذي تعيش عليه الدببة. غير أنّ هذا الجليد لم يعد هو ذاته بفعل الاحترار المناخي، بحسب القبطان.

لم نعد نجد من هذا الجليد
ويشرح البحّار الهادئ، وهو يرتدي زيّه الأزرق، كيف تحوّل الجليد منذ أن بدأ يبحر في القطب الشمالي العام 1993، قائلًا: «في التسعينيات ومطلع العقد الأول من القرن الحالي، كان الجليد أكثر تعقيدًا وصعوبة وسماكة». ويتابع: «كان هناك الكثير من الجليد المتعدد السنوات لكن لم نعد نجد من هذا الجليد»، وهذا النوع تحديدًا يتشكّل على مدى سنوات عدّة وبالتالي يفقد من ملوحته، لذلك يصبح متماسكا أكثر.

ولكن يتكون معظم «الحقل الأبيض» اليوم من جليد صغير يذوب بسرعة في فصل الصيف. ويؤكّد العلماء أنّ للاحترار المناخي تأثيرًا في ذلك. فقد تراجعت مساحة سطح الجليد البحري في القطب الشمالي الروسي بنسبة «خمس إلى سبع مرات» عمّا كانت عليه خلال ثمانينيات القرن الماضي، بحسب تقرير معهد الأرصاد الجوية روزغيدروميت من شهر مارس، إضافة إلى تراجع مساحة الغطاء الجليدي إلى أدنى مستوياته أي إلى مساحة «26 ألف كيلومتر مربع» في العام 2020.

ويُشير التقرير أيضًا إلى أن سرعة الاحترار المناخي في روسيا، التي يقع ثلث أراضيها خارج الدائرة القطبية الشمالية، أكبر من المتوسط العالمي، فارتفعت درجة الحرارة بمقدار 0.51 درجة مئوية كلّ عشر سنوات منذ العام 1976.

وفي هذا البلد الذي يقوم اقتصاده على استخراج الهيدروكربونات، يدرك الناس أن الاحترار المناخي موجود، لكن الكثير منهم يقلّلون من أهمية مساهمة الإنسان فيه، مثل فيكتور بويارسكي (70 عاما)، أحد ركّاب سفينة «50 ليت بوبيدي». ويعتقد بويارسكي، وهو مُغامر والمدير السابق للمتحف الروسي للقطب الشمالي والقطب الجنوبي، أن النشاط البشري «لا يلعب دورًا رئيسيًا» في الاحترار المناخي، رغم وفرة الأدلة التي تبيّن عكس ذلك.

المزيد من بوابة الوسط