نصف قرن على «أربانت» سلف الإنترنت

لينارد كلاينروك إلى جانب أول «معالج للرسائل بواجهة بينية» (أي إم بي) في المختبر الذي شهد توجيه أول رسالة من حاسوب إلى جهاز آخر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس في 24 سبتمبر 2019 (أ ف ب)

أنت الآن تستخدم جهاز كمبيوتر أو هاتفا ذكيا وربما جهازا لوحيا للولوج عبر صفحات المواقع والتطبيقات والخدمات المتنامية على شبكة الإنترنت، لكن هل تعرف كيف كان حال النسخة الأولى من هذه الشبكة العنكبوتية؟ إليك قصة «سلف» الإنترنت..

في 29 أكتوبر 1969 نجح الأستاذ لينارد كلاينروك وزملاؤه في جامعة «يو سي إل إيه» الشهيرة في كاليفورنيا في جعل حاسوب «يتكلم» مع آلة أخرى تقع في منطقة ستصبح لاحقا سيليكون فاليي (جنوب سان فرانسيسكو)، إلا أن العواقب السلبية وغير المتوقعة لهذا الاختراع، وهو سلف الإنترنت، بردت قليلا من حماسة البدايات، وفق «فرانس برس».

ويروي كلاينروك، الذي يحتفل في يونيو ببلوغه الخامسة والثمانين، قائلا: «لم أتوقع أبدا جانب شبكات التواصل الاجتماعي. كنت أظن أن الأمر يقتصر على تواصل الناس مع الحواسيب لا الأفراد في ما بينهم».

ولمناسبة الذكرى الخمسين لهذا الاختراع، يستعد الأستاذ الجامعي لفتح مختبر جديد مكرس للإنترنت، من شأنه المساعدة على مكافحة المشاكل غير المتوقعة، التي سجلت مع اعتماد الشبكة على نطاق واسع.

وبات أربعة مليارات شخص تقريبا يستخدمون الشبكة في العالم. وكان يعتقد أنها ستحمل المساواة والمعرفة إلى غالبية سكان العالم.

ويقول المخترع: «هو اختراع ديمقراطي للغاية في أحد جوانبه. لكنه يحوي أيضا على وصفة مثالية للجانب المظلم من البشرية (...) ثمة أشياء كثيرة يعبر عنها بالصراخ عبر الإنترنت، مما يغرق الأصوات المعتدلة ويعطي صدى إضافيا للمواقف المتطرفة، مما ينشر الحقد والإساءات والتضليل». ويؤكد: «نحن بصفتنا مهندسين لم نفكر في السلوك السيئ والمؤذي».

ويتناول المختبر الجديد «كونيكشن لاب» مسائل مثل تعلم الآلات والذكاء الصناعي وشبكات التواصل الاجتماعي وتقنية سلسلة السجلات المغلقة (بلوكتشين)، وهي قاعدة بيانات آمنة تعتمد الحوسبة السحابية.

تقنية بلوكتشين
ويهتم لينارد كلاينروك خصوصا بإمكانية استخدام تقنية بلوكتشين كوحدة قياس للثقة. ويمكن لرواد الإنترنت مثلا من خلال قراءة تقييم لمطعم أن يعرفوا إن كان الكاتب سبق له أن نشر مقالات أخرى جديرة بالثقة.

ويؤكد: «ستكون أشبه بشبكة سمعات محدثة دائما. ويكمن التحدي في كيفية تحقيق ذلك بطريقة أخلاقية ومسؤولة. سرية الهوية سيف ذو حدين بطبيعة الحال». ويؤكد أن هناء الشبكة في بداياتها لم يكن يعكره سوى قراصنة معلوماتية منعزلين.

أما اليوم فهذه العناصر تشمل دولا والجريمة ومنظمات وشركات نافذة «تقوم بأشياء جيدة وسيئة» مثل تحقيق الأرباح من خلال انتهاك الخصوصيات.

يأسف لينارد كلاينروك لافتقار العلماء في تلك الفترة إلى هذا البعد الاجتماعي، مما منعهم من إدراج أدوات التثبت من هوية الأفراد وصحة البيانات منذ بدء الإنترنت. ويؤكد: «ما كان هذا لينقذنا من الجانب القاتم للشبكة، لكنه كان ليساعدنا في تخفيف الوطأة التي يشعر بها الجميع اليوم»، إلا أنه يبقى متفائلا بعض الشيء. ويقول: «أظن في نهاية المطاف أن الجوانب الإيجابية هي الغالبة. لن أوقف الإنترنت حتى لو كنت قادرا على ذلك».

مشروع أربانت
في البداية أطلق على المشروع اسم «أربانت» تيمنا بدائرة الأبحاث في الجيش الأميركي، التي كانت تموله وتعرف باسم «ديفانس أدفانسد ريسيرتش بروجيكتس إجنسي»، التي شكلت العام 1958. ووجد المهندسون الوسيلة لنقل البيانات من خلال الحواسيب بإدخالها ضمن «حزم رقمية» عدة.

وفي 29 أكتوبر 1969 بدأ طالب في جامعة «يو سي إل إيه» بطباعة كلمة «لوغ» (ولوج) لإقامة تواصل مع حاسوب في مكان آخر. وتمكن من تمرير حرف «ل» إلا أن الجهاز توقف بعد حرف «و».

ويروي لينارد كلاينروك قائلا: «الرسالة الأولى التي مررت كانت تاليا (لو) كما الحال في عبارة لو أند بيهولد (التي تعني: ها هي...) ما كنا لنحلم برسالة أولى مقتضبة أفضل من هذه»، وانطلق عندها مشروع «أربانت».

أما ولادة الإنترنت فهي تبقى موضع نقاشات محتدمة، لأنها أتت نتيجة مراحل مختلفة، مثل بروتوكولات نقل البيانات وإنشاء «الشبكة العنكبوتية العالمية» مع نظام الصفحات المباشرة.

ويقول مارك ويبر، المسؤول في متحف تاريخ الكمبيوتر في سيليكون فاليي: «السؤال الآن أي نوع من الوحوش استحالت الإنترنت؟ لقد فرضت نفسها وسيلة التواصل الأولى للبشر وهذا لا يستهان به».

ويوضح أولاف كلوكمان من «إنترنت سوساييتي»: «الإنترنت حملت إيجابيات أكثر منها سلبيات» واصفا إياها بأنها «مراهق مشاغب».