دور الشرائح الإلكترونية في قصة «الإنسان والقمر»

الجهاز الذي استخدمه رواد الفضاء في مهمة أبولو 11 لتوجيه الكمبيوتر الموجود على المركبة (أ ف ب)

في مهمات «أبولو» الأولى التي يستخدم فيها الحاسوب في الملاحة كان الخطأ ممنوعًا في البرمجيات، إذ أن حياة الرواد على المحك، وأي «غلطة» حتمًا ستخلف كارثة.

ورغم إشارات الإنذار الشهيرة التي أثارت الخوف في نفس نيل أرمسترونغ لدى نزوله إلى القمر، كان أداء حاسوب «أبولو» ناجحًا تمامًا، وأرسى هذا الجهاز قواعد الملاحة الجوية وأنظمة الاستكشاف المعاصرة، وفق «فرانس برس».

لكن كيف استطاع الحاسوب «أبولو» المسمى بالإنجليزية «أبولو غايدنس كمبيوتر» (إيه جي سي)، لعب هذا الدور التاريخي رغم أن قوته أدنى بملايين المرات من أي هاتف ذكي في عالمنا المعاصر.

الدوائر الكهربائية المتكاملة
كانت الدوائر الكهربائية المتكاملة أو الشرائح الإلكترونية، ضرورية في تطوير أجهزة الكمبيوتر بالحجم المطلوب لوضعها على متن المركبات الفضائية، بدل الحواسيب الأسطوانية الضخمة التي سبقتها.

وليست وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) من اخترع الشريحة الإلكترونية التي يعود الفضل بوجودها إلى جاك كيلبي (من «تكساس إنسترومنت») وروبرت نويس مؤسس «فيرتشايلد سيميكونداكتر» و«إنتل»، غير أن «ناسا»، مع الجيش الأميركي الذي كان في حاجة للشرائح لتوجيه صواريخه البالستية نحو الاتحاد السوفياتي، سرَّعا في تطويرها من خلال الطلب الهائل عليها.

وقال المؤرخ المتخصص في الرحلات الفضائية فرانك أوبراين، مؤلف كتاب مرجعي عن حاسوب «أبولو»، «هم كانوا يطلبون مستوى هائلًا من الأهلية للثقة لا يمكن تصوره».

وفي مطلع الستينات، اشترت «ناسا» والبنتاغون مليون شريحة إلكترونية بحسب المؤرخ، ما دفع المصنعين إلى إنتاج شرائح تعيش لفترات أطول مقارنة مع الساعات القليلة التي كانت تصمد خلالها الشرائح الأساسية.

الحواسيب الأولى
تُبرِع أجهزة الكمبيوتر المعاصرة والهواتف الذكية في إدارة عدد كبير من المهام بصورة متزامنة. لكن في المقابل، لم يكن للحواسيب الأولى «مهام كثيرة للقيام بها وكانت وظيفتها تقتصر على إجراء حسابات والحلول محل البشر في إنجاز هذه العمليات»، وفق سياموس تووهي، مدير الأنظمة الفضائية لدى شركة «درايبر» المنبثقة من مختبرات جامعة «إم إي تي»، حيث صممت آلة «أبولو».

غير أن هذا كله تغير مع كمبيوتر «أبولو»، إذ كان على الجهاز المصنع بحجم حقيبة إنجاز جملة وظائف حيوية تشمل الملاحة وإدارة الأكسجين والحرارة وأيضًا أجهزة تنقية ثاني أكسيد الكربون كي يتنشق رواد الفضاء هواءً نقيًّا.

وخلافًا للحواسيب الأولى التي كان يعطي الإنسان من خلالها للآلة سلسلة عمليات حسابية بانتظار النتيجة (التي قد يتطلب ظهورها أيامًا في بعض الأحيان)، كان ضروريًا أن يكون كمبيوتر «أبولو» سريعًا لمواكبة رحلة المركبة حول القمر وتلقي أوامر من الطاقم في الوقت الحقيقي.

كما أن «ناسا» كانت تريد جهاز كمبيوتر مستقلًا، لأنها كانت تخشى من أن يشوش السوفيات على الاتصالات بين طاقم الرحلة ومركز التحكم على الأرض. وكان ذلك كله يستدعي «هندسة» معلوماتية صممها بشكل رئيسي المهندس المتخصص في هذا المجال هال لانينغ.

مرحلة أكثر تطورًا
وأراد مهندسو «ناسا» أيضًا الانتقال إلى مرحلة أكثر تطورًا بالمقارنة مع البطاقات المثقبة في الحواسيب البدائية.

واخترع هؤلاء عندها ثلاثة عناصر رئيسية هي مفاتيح التشغيل الموجودة حاليًا في قمرات قيادة الطائرات، وعصا التحكم التي كانت تدير النظام للمرة الأولى إلكترونيًا، فيما كان العنصر الثالث شبيهًا بلوحة مفاتيح مسماة «دي إس كاي واي» شكلت اختراعًا ثوريًّا في تلك الحقبة.

وعلى لوحة المفاتيح هذه، كان يمكن لرواد الفضاء دق رموز من رقمين لتشكيل أوامر، من قبيل «تشغيل المحركات».

وفيما كانت الوحدة القمرية تهبط على القمر مع نيل أرمسترونغ وباز ألدرين، دوت صفارة الإنذار الخاصة بكمبيوتر «أبولو» مرات عدة، ما أعطى انطباعا بأن المهمة آيلة للفشل.

ولو حصل ذلك فعلًا، لما تمكنت المركبة من تقويم ارتفاعها وسرعتها ومسارها، وبالتالي فإن تحطمها كان واردًا، حسب «فرانس برس».

لكن على الأرض في مركز التحكم في هيوستن، فهم مهندسو «ناسا» سريعًا أن الإنذار مرده إلى تخمة المعلومات في جهاز الكمبيوتر، إذ أن كل الأنظمة كانت تعمل بصورة جيدة في الواقع.

لكن بفضل برمجة ذكية، استطاع جهاز الكمبيوتر تخفيف المهام الملقاة على عاتقه تلقائيا وعلّق بعض الوظائف لإعطاء الأولوية للمهمات الأساسية اللازمة للهبوط على القمر.

وقال فرانك أوبراين الأخصائي في الكهرباء الفضائية في معهد «سميثز أونيان»: «إن أداء جهاز الكمبيوتر إثر بلوغ الطاقة القصوى شكل خرقًا حقيقيًّا».