قصة الجهاز الذي غير وجه الحياة في فلوريدا

مكيف الهواء الأول الذي اخترعه جون غوري، في متحف أبالاتشيكولا بفلوريدا، 23 مايو 2019 (أ ف ب)

يعرف سكان فلوريدا الموبوءة بالبعوض، حق معرفة، أن العيش دون مكيفات هواء شبه مستحيل في هذه الولاية الأميركية الحارة والرطبة، غير أن مخترع هذا الجهاز مات فيها مغمورًا بعدما كان محط سخرية لمواطنيه.

البعوض كان ينتشر على نطاق واسع جدًّا في هذه المنطقة الواقعة في جنوب شرق الولايات المتحدة لدرجة أن الإسبان تخلوا عنها للسلطات الأميركية سنة 1819 إثر إخفاقهم في جذب السكان إليها، وفق «فرانس برس».

وحط الطبيب جون غوري رحاله فيها سنة 1833 ومراده لجم تفشي موجات الحمى الصفراء في أوساط السكان. وانتقل من نيويورك للعيش في بلدة أبالاتشيكولا الصغيرة في شمال فلوريدا، وسرعان ما خلص إلى استنتاج خاطئ مفاده أن هذا المرض الفتاك مرتبط بالحرارة والروائح التي تفوح من مستنقعات المنطقة.

والحل كان يقضي في نظره بتبريد غرف المرضى بواسطة آلة عكف على تصميمها. وأخطأ جون غوري في استنتاجاته لكنه لم يكن بعيدًا عن الحقيقة، فبعد خمسين سنة تبين أن البعوض الذي ينتشر في المستنقعات وينفق نتيجة البرد هو الناقل الرئيسي للمرض.

وفي ذلك الوقت، وصفه أحد صحفيي «نيويورك غلوب» بـ«الأهوس الذي يعتقد أن في مقدوره صنع جليد بواسطة آلته مثل الله القدير».

غير أن متحف غوري الصغير في أبالاتشيكولا بات اليوم مفخرة البلدة. ويقول المرشد جيريمي راوندتري إن «البلد يعتبر غوري مخترع مكيف الهواء وليس طبيبًا شهيرًا»، مشيرًا إلى أنه كان «طبيبًا ماهرًا بالفعل».

جهاز شيطاني 
الآلة الأصلية كناية عن جهاز ميكانيكي من خشب مزود بمحرك بخاري وبسلسلة من المقابض لضغط الهواء وقذفه حتى تشكل الجليد نتيجة تفاوت درجات الحرارة بين الكتل الهوائية المختلفة.

وفي العام 1848، كان غوري ينتج 12 قطعة من الجليد في اليوم الواحد. وكان الطبيب يعلقها بسقف غرف المرضى. وكان الهواء الحار الذي يتصاعد تلقائيًّا يبرد وقت مروره قرب هذه الكتل قبل أن يتدنى ويبرد الغرفة، ما ساعد الطبيب على خفض حرارة مرضاها.

وبات جون غوري رئيس بلدية أبالاتشيكولا ومن وجهاء البلدة، وهو كان رائدًا في عصره وقت شمل اختراعه ببراءة في العام 1851.

لكنه لم ينجح يومًا في بيع نموذج واحد من جهازه. ومات معدمًا سنة 1855 بعدما استهزأ به أهل البلدة. فقد كان أميركيون كثيرون شديدو التدين في تلك الفترة يخشون استعمال جهاز شيطاني في نظرهم، إذ أن الله وحده قادر على إحداث الجليد.

وحتى الأربعينات، كانت الفنادق في فلوريدا تغلق أبوابها صيفًا من شدة الحرارة وكثرة البعوض. وكان لا بد من الانتظار حتى منتصف القرن العشرين لتعميم استخدام مكيفات الهواء ومبيدات الحشرات كي تصبح هذه المنطقة مأهولة.

وتصالحت فلوريدا التي باتت اليوم مقصدًا سياحيًّا رائجًا مع ذكرى جون غوري لدرجة أنها أرسلت تمثاله إلى الكابيتول في واشنطن ليمثلها.

ويذكر راوندتري: «كان الجميع ينعته بالمجنون، لكننا اليوم في أبالاتشيكولا نكن إعجابًا كبيرًا للطبيب غوري ونكرم ذكراه».