تعاون دولي علمي يحقق أحد أكبر الانجازات البشرية

علماء يكشفون عن أول صورة لثقب أسود في تاريخ علم الفلك (ارشيفية:انترنت)

كشفت مجموعة من العلماء الأربعاء عن أول صورة لثقب أسود في تاريخ علم الفلك، تظهر نواة قاتمة محاطة بدائرة حمراء مائلة إلى البرتقالي.

وتمكنت عملية تعاون دولية تعرف باسم «إيفنت هورايزن تلسكوب» من التقاط صورة للثقب الأسود الملتهم للنجوم والمؤلف من الغاز والهيولي (بلازما) على بعد 50 مليون سنة ضوئية في مجرة معروفة باسم «ام 87»، وفقًا لوكالة فرانس برس.

وكشفت الصورة بالتزامن خلال مؤتمر صحفي عقد في بروكسل وشنغهاي وطوكيو وواشنطن وسانتياغو وتايبيه، وقال فريدريك غوث عالم الفلك في المركز الوطني للبحث العلمي والمدير المساعد لمعهد الفلك الراديوي أحد شركاء البحث «هذه مسافة يصعب علينا تصورها»، والسنة الضوئية توازي حوالى عشرة آلاف مليار كيلومتر.

وتشتمل عملية التعاون الدولي هذه على حوالى عشرة تلسكوبات ومراصد موزعة حول العالم من أوروبا إلى القطب الجنوبي مرورًا بتشيلي وهاواي، وسمح الجمع بين هذه الأجهزة لتشكل مرآة ضخمة، لعلماء الفلك لفترة محددة بالحصول على تلسكوب افتراضي بحجم قطر الأرض. 

وأوضح الباحث الفرنسي أن هذا الجهاز «يسمح بقراءة صحيفة مفتوحة في باريس، انطلاقًا من نيويورك»، وتشكل صورة الثقب الأسود الذي يبحث عنه منذ فترة طويلة محور ستة مقالات نشرت الأربعاء في مجلة «أستروفيزيكال جورنال ليترز»، وأتت هذه المقالات التي يقع كل واحد منها في حوالى عشر صفحات، ثمرة عمل نحو 200 مؤلف من أكثر من 60 هيئة علمية.

ويجري الحديث عن الثقوب السوداء منذ القرن الثامن عشر لكن لم يسبق لأي تلسكوب أن نجح برصد أحد هذه الثقوب أو التقاط صورة له.

وقال جان-بيار لومينيه عالم فيزياء الفلك في المركز الوطني للبحث العلمي «لم أكن لأتصور رؤية ثقب أسود فعلي خلال حياتي»، وهو يقف وراء أول محاكاة رقمية لثقب أسود العام 1979.

والثقب الأسود جرم يتمتع بكتلة كبيرة جدًا وبحجم صغير ، كما لو أن الأرض مختزلة في كشتبان، وهو يلتهم المادة والضوء بيد أنه غير مرئي، وتعود أول عملية رصد في إطار عملية التعاون الدولي هذه إلى الخامس من أبريل 2017، فقد استهدفت ثمانية تلسكوبات ثقبين أسودين هما «ساجيتريس أيه» في وسط درب التبانة وآخر في مجرة «أم87».

وروى العالم بابلو تورنه من معهد علم الفلك الراديوي «لكي تسير الأمور على ما يرام كان ينبغي أن يكون الطقس صافيًا أينما كان في العالم»، مشيرًا إلى مزيج التعب والتوتر والسعادة الذي كان ينتاب الفريق. 

واستذكر الباحث الذي شارك في عمليات الرصد من قاعة التحكم بتلسكوب «بيكو فيليتا» البالغ طوله 30 مترًا والمطل على جبال سييرانيفادا الإسبانية «كانت الفرص شبه معدومة لكننا نجحنا».

وتلت ذلك ثلاث عمليات رصد أخرى في 6 و10 و11 أبريل، واحتاج الفريق بعد ذلك إلى ثمانية أشهر لتحليل كل البيانات إذ أنه خلال عمليات الرصد المشتركة لا يملك العلماء أي وسيلة لمعرفة إن نجح الأمر على الفور، واضطر العلماء إلى انتظار إشارة مشتركة لكل التلسكوبات، أي مثل الباحث عن إبرة في كومة قش.

وأوضح هلغر روتمان من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في بون «كنا ننتظر بفارغ الصبر بيانات تلسكوب ساوث بول، فبسبب ظروف الطقس القصوى في الشتاء الجنوبي انتظرنا ثمانية أشهر للحصول عليها».

وتم ذلك في 23 ديسمبر 2017 بالتحديد، وأوضح الباحث «بعد ساعات قليلة تحققنا من أن كل شيء على ما يرام فشكل ذلك هدية رائعة بمناسبة عيد الميلاد»، واحتاج الفريق إلى سنة من العمل الجاد لتحويل البيانات إلى صورة، وقال فريدريك غوث الذي شارك في دراستين «لمزيد من التحقق أعيد العمل أربع مرات من قبل أربع فرق مختلفة»، وتوصلت جميعها إلى الصورة نفسها التي تظهر نواة قاتمة اللون على دائرة حمراء وهو ظل الثقب الأسود على المادة الأسطوانية الشكل المحيطة بالثقب.