Atwasat

الثابت والمتغير في الأزمة الليبية

إدريس بن الطيب الأحد 08 مايو 2016, 08:45 مساء
إدريس بن الطيب

الوضع المقلق الذي يمر به الاتفاق السياسي من حيث بعض نكسات الأداء للمؤسسات الناتجة عنه أو المؤسسات التي تعد طرفا فيه، ولد حالة من الوهم لدى بعض السياسيين والمحللين وأعضاء البرلمان بأن بعض المتغيرات العابرة قد تخلق (بدائل) سياسية له، أو أن تجعل من الممكن تجاوزه أو حتى تغييره لصالح بعض الأطراف ضد أطراف أخرى.

وهذا الوهم يعكس في حقيقته فهما قاصرا ومحدودا وشديد السطحية لطبيعة الأزمة الليبية، وانفتاحها على الكثير من إمكانات التعقيد وتوليد المشكلات الإضافية تحت الاعتقاد بتقديم حلول بديلة.

أهمية تمييز الثابت عن المتغير في أية أزمة سياسية هو بالضبط ما يبين بوضوح مجالات الحركة والمناورة في تمتين أي اتفاق سياسي.

ولهذا وبعيدا عن حالات التفكير الرغبوي الخالي من الفهم السليم لديناميكية الأزمة وقابليتها للتغيرات، يتطلب الأمر الحديث بوضوح عما هو ثابت دائم غير متغير في هذه المرحلة من الاتفاق الذي تم توقيعه في 17 ديسمبر من العام الماضي، فقد أصبح واضحا وجليا لكل ذي بصيرة أن مسألتين أساسيتين هما الثابت غير القابل للتغيير ولا للنقاش، وهما:
1 - الاتفاق السياسي بالشكل الذي تم توقيعه وما ينص عليه من مواد تمثل جوهر الاتفاق، وما نشأ عنه من مؤسسات للمرحلة الانتقالية تم النص بوضوح على آلية تشكيلها وإجراءات تكوينها.
2 - تشكيلة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بالشكل الذي تم الانتهاء إليه من رئيس وخمس نواب وثلاثة وزراء دولة.

وهاتان النقطتان الجوهريتان واللتان نشأتا نتيجة لحوار طويل ومضن تعتبران هما حجر الزاوية في حل الأزمة الليبية، وهما، وحدهما، ما يمكن التأسيس عليه لتحقيق المزيد من التوافقات، ولهذا فلا يمكن الاعتقاد لدى أي سياسي، تحت أي قدر من الواقعية السياسية، أن بالإمكان العودة إلى الوراء فيما يخص هاتين النقطتين على وجه التحديد.

وأهمية تمييز الثابت عن المتغير في أية أزمة سياسية هو بالضبط ما يبين بوضوح مجالات الحركة والمناورة في تمتين أي اتفاق سياسي وردم أية ثغرات (في المتغير)، يمكن أن تؤثر سلبا على الثابت والجوهري، وأي خلط بينهما سيؤدي إلى نتائج سيئة فوق كونه سيكون بابا لإضافة المزيد من المشكلات بدلا من حل المشكلات القائمة، خاصة أن أصحاب الرؤوس الساخنة، ضمن الفريقين، يتصورون أن الأمور رهن إراداتهم، وأن أي خرق للاتفاق

من طرف ما لا يؤدي إلى الاحتجاج عليه باعتباره اعتداء على (الإرادة المشتركة) المتمثلة في الاتفاق السياسي، بل هو (إذن) لطرف آخر بممارسة خرق جديد من باب تسجيل النقاط الوهمية ضد الخصوم!
إن الضعف البنيوي الشديد في الفهم السياسي العميق واللازم لدى سياسيينا، وعلى رأسهم نوابنا البرلمانيون سواء من كانوا في المؤتمر الوطني العام السابق أو من هم في البرلمان الحالي، وعدم القدرة على استلهام فكرة (تعزيز) التوافق بدلا من (زعزعته)، هو ما يعطي الانطباع الخاطئ (والمضلل بالذات لجماهير الشعب) بأن تغييرا طفيفا ما في حدث ما في موضوع ما يمكن أن يسمح بنشوء فكرة العودة إلى الوراء ونسف ما تم الاتفاق عليه، في محاولة يائسة وبائسة لخلق (اتفاق جديد) أكثر ملاءمة لمصالح البعض، أو نشوء فكرة (التساهل) في الالتزام بنصوص الاتفاق واختراقه بناء على فكرة (عدم إيفاء) البعض بالتزاماته، بحيث يخلق (وهم) القدرة على ملء فراغ التزامات الآخرين بالإقدام على ممارسة مهام ليس لطرف ما الحق في ممارستها.

كما أن روح التعجل، سواء بضغط الأزمة الخانقة التي يعانيها الوطن أو بضغط الخفة الشديدة أمام بريق المناصب، يمكن لها أن تسبب الكثير من المشكلات الإضافية التي قد تمثل قفزا على طبخة لم تنضج بعد، وبهذا يكتمل المثلث اللازم لتبيان مسؤولية الأطراف الثلاث أمام ما يعتبر ثوابت الأزمة الليبية غير القابل للتجاوز أو للتعديل أو للتغيير دون المخاطرة بالعودة إلى مربع الاقتتال والاحتراب الذي أخرجنا منه الاتفاق السياسي.

ما هي إذن المتغيرات في هذه الأزمة؟

وهل هي مجرد متغيرات أم يعتبر التعاطي السليم معها استكمالا ودعما للثوابت وتجاوزا لما قد يواجهه من تنفيذ الاتفاق من عوائق؟!

إن استكمال أعضاء المجلس الرئاسي لحكومة التوافق بعودة العضوين المقاطعين إلى حضور الجلسات، وممارسة مهامهما بما أوكل إليهما من اختصاصات وواجبات يعد من أولى أولويات العمل المقبل من أجل دعم التوافق ومؤسساته، تحقيقا للتوازن المفقود حاليا داخل تركيبة المجلس، وهو التوازن الذي يؤدي استمرار فقدانه إلى تدهور أداء المجلس الرئاسي لحكومة التوافق، وتآكل الحالة الشعبية المرحبة بدخوله إلى مدينة طرابلس كخطوة لازمة للبدء في التعاطي اللازم والعاجل للمشكلات التي يعانيها أبناء الوطن، وهو أيضا ما يساعدها على تحقيق كفاءة أكبر فيما يخص تنفيذ ما يخصه من بنود الاتفاق، خاصة منها المتعلق بالترتيبات الأمنية التي لم يحدث فيها، كما عبر مارتن كوبلر، أي تحسن بعد دخول المجلس إلى طرابلس، وكذلك عدم ظهور بوادر حقيقية لحلول فعلية للأزمة الإنسانية الخانقة في البلاد.

ويعتبر أيضا من المتغيرات تجاوز المدد الزمنية المنصوص عليها في الاتفاق فيما يتعلق بالتزامات كل طرف، دون أن يؤدي ذلك إلى تجاوز الالتزامات ذاتها، فالواقع أن تجاوز المدد يجعلها أكثر إلحاحا واستعجالا، وعلى رأسها التزامات البرلمان بضرورة إجراء التعديل الدستوري والتصويت على منح الثقة للحكومة، ولهذا فعلى جميع الأطراف المعنية داخل البرلمان المسارعة في إجراء المشاورات اللازمة مع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق؛ للوصول إلى صيغة تجعل حدوث ذلك ممكنا، بما في ذلك تعديل التشكيلة الحكومية المقترحة أو حتى الإضافة المحدودة إليها، وتجميد عمل أية وزارة لا يتم التوافق حولها لفترة من الزمن يمكن فيها بناء مزيد من جسور الثقة وتهدئة الخواطر للوصول إلى اتفاق حولها.

إن الموقف الذي وقفه البرلمانيون الموالون للحكومة من رفض لعقد البرلمان في مدينة أخرى، بما قد يؤدي إلى انقسامه هو موقف سياسي مسؤول ووطني وبعيد النظر.

إن الموقف الذي وقفه البرلمانيون الموالون للحكومة من رفض لعقد البرلمان في مدينة أخرى، بما قد يؤدي إلى انقسامه هو موقف سياسي مسؤول ووطني وبعيد النظر، يرفض التضحية بمؤسسة البرلمان كوعاء للخيار الديمقراطي في سبيل تمرير تشكيلة حكومية سوف تعاني الكثير من المصاعب في ممارسة عملها لو تم تمريرها على هذا النحو، ولذلك فإن الحكمة والتعقل وبعد النظر والروح الوطنية لدى النواب المعارضين للحكومة تحتاج إلى تظهر هنا في شكل تقدير عال لهذا الموقف الوطني، وإدراك أن الدفاع عن السيادة الوطنية يمكن أن يكون له أكثر من طريقة، وأن النوايا الحسنة ورفع الشعارات الخلابة البراقة لا يمثل جهدا سياسيا قادرا على خلق واقع سياسي وطني في كل الأحوال، بل إن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة كما يقال.

لابد لنا من تسويد العقل (السياسي) وليس الشعاراتي!
لابد لنا أن ندرك أن لا ربح لأحد مع خسارة أحد!

لابد أن ندرك أن الأوهام الرغبوية لا تخلق حلولا حقيقية، وأن الرؤوس الساخنة لابد أن تعمل على التوجه نحو البرودة والهدوء والبحث عن الحلول، لا عن تسجيل النقاط ضد الخصوم، وأن لا أحد، أكرر لا أحد، يسمح له أن يتجاوز أو يخرق بنود الاتفاق السياسي مهما كانت الأسباب أو المبررات.

وأن أي إجراء مبني على الاختراق والتجاوز لن يصمد أمام الواقع الفعلي، مهما كانت الصورة في عيون محبيه خلابة، وأنه سوف يختفي طال الزمن أم قصر!

فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض!