Atwasat

جبهة الأمل (بمناسبة عيد ميلاد (الوسط) الثامن)

جمعة بوكليب 3 أيام
جمعة بوكليب

الطفلةُ الصغيرة «الوسط» كبرتْ، وصارتْ صبيةً يافعة، لافتةً للأنظار ومثيرةً للاهتمام، ثمانية أعوام مرّت على مولدها، وهاهي اليوم مؤسسة إعلامية بأذرع متعددة، في الصحافة وفي التلفزيون وفي النشر، لا أعتقد أن أحدًا منا كان يتوقع من صحيفة ليبية، تواجدت في المنفى، أن تستمر وتُثابر على خطها الوطني، في ظروف نحن جميعًا نعايشها، وخبرناها.. لكن "الوسط" صمدت، وثابرت، واستحقت ما نالت من مكانة في دنيا الإعلام الليبي.

رحلة "الوسط"، التي بدأت في القاهرة، منذ ثمانية أعوام، تؤكد أن شكوكنا لدى مولدها، بعدم القدرة على الصمود والاستمرار، كانت في غير محلّها.. شكوكنا لم تأتِ من فراغ، بل كانت وليدة تجارب صحفية عديدة عاصرنا ولادتها وموتها السريع، وشخصيًا، أشعر بشيء من الفخر لأني شاركتُ، ولا زلتُ، بكتاباتي في استمرار هذا الصرح الإعلامي الوطني الليبي المهم.. وأنتهز الفرصة لأرفع القبعة تحية واحترامًا إلى جميع العاملين في أسرة تحريرها.

لذلك، من حين إلى آخر، كلما نظرت إلى الخلف، ورأيت صحيفة "الوسط"، ينتابني فخر على ما تقدمه من تغطية إخبارية، ومتابعة متواصلة لتطورات الساحة الليبية والعربية والعالمية، وفي ثباتها على خطها الوطني، بكفاءة ومهنية، وفي ظروف استثنائية في صعوبتها وتعقّدها.

ومن خلال التجربة الشخصية يمكنني القول إن الكتابة الأسبوعية في الوسط، لمن لم يجربها، التزام مهني. بمرور الوقت، يجعل المرء منضبطًا وحريصًا على كتابة وتسليم مقالاته في الوقت المحدد، وعدم الإخلال بالمواعيد حسب الاتفاق المبرم.. والأهمُّ من ذلك، منحتني الصحيفة فسحة مهمة للكتابة في صفحات الرأي، أطل من خلالها على القراء، وبحرية لم نتعوّدها، ولم ترفض لي نشر مقالة واحدة، أو تطلب مني تغييرها، لمخالفتها لخطها السياسي.

ذلك الالتزام والانضباط، حوّلني من كاتب مزاجي الطبع إلى آخر محترف ومنضبط مهنيًا، التحوّل لم يكن آليًا، بالضغط على زر معين في داخلي، بل عملية تدريجية تراكمية استغرقت وقتًا، حتى تحولت إلى ما يشبه الروتين الاعتيادي.. ذلك الروتين لا يتغير حتى في السفر.. إذ لا بد أن أختلي بنفسي، أينما كنت، لبعض الوقت، لأكتب مقالتي، وأرسلها في الموعد، صباح كل يوم أحد.

البدءُ في كتابة المسوّدات الأولى للمقالات يكون عادة في مساء اليوم السابق: أيام السبت، لدى انتهائي منها، أراجعها، ثم أحفظها في الجهاز، ولا أعود إليها إلا في صباح اليوم التالي لمراجعة أخيرة.. المراجعة الأخيرة قد تضطرني، في بعض الأحيان، إلى كتابة مقالة أخرى مختلفة بالكامل، يبدو أن الكتابة صباحًا، تجعل الذهن أكثر تحفزًا وتيقظًا ونشاطًا، وتفتح الشهية للمغامرة.

مساء السبت الماضي، قبل أن أستلم رسالة من مدير التحرير بالصحيفة، صديقي حمدي الحسيني، سارت الأمور حسب الروتين الاعتيادي، وكما اشتهيت، كنتُ قد انتهيت من كتابة مسوّدة مقالتي، على أن أراجعها في صباح اليوم التالي.

حمدي، في رسالته الإلكترونية القصيرة تلك، قلب الأمور رأسًا على عقب.. بأدبه ودماثة خلقه كعادته، سألني عن إمكانية إعداد مقالة أشارك بها في الاحتفاء بالذكرى الثامنة لتأسيس صحيفة الوسط.

حين أبلغني مدير التحرير ببلوغ الوسط السنة الثامنة من عمرها، فوجئت أولاً، واندهشت ثانيًا، ونظرت للخلف بشيء من غبطة ثالثًا.. ثمانية أعوام قد لا تساوي شيئًا في عمر الشعوب، لكنها في عمر صحيفة ليبية، بكفاءة مهنية راقية، تمثل قيمة إيجابية رائعة، تستحق التقدير والإعجاب والاحترام..

وفي ذات الوقت، تحكي قصة مختلفة كونها تمكنت من فرض حضورها الوطني والإيجابي إعلاميًا، بالمحافظة على خطها السياسي والتزامها بثوابت الوطن الليبي الموحد، في ساحة سياسية وإعلامية اختلطت فيها المفاهيم، وغابت فيها القيم، وسيطر عليها خطاب الكراهية والانقسام، وتفاقمت فيها النرجسية واللصوصية، وسادت فيها ثقافة الفساد..

وفي وسط ذلك الخضم الفوضوي، تنفرد صحيفة الوسط بتميز رسالتها، وتتصدر الصف الإعلامي الوطني باقتدار ومهنية مشرّفة.

على المستوى الشخصي، لابد من الاعتراف بأن تشريفي بدعوة المشاركة في نشر مقالاتي بالصحيفة قد جعلني فخورًا بتواجدي بين كوكبة من كتّاب أحترمهم، ويعدون مفخرة لليبيا.. اتفاقي أو اختلافي مع أطروحاتهم لا يلغي من حقيقة تواجدنا على جبهة واحدة، وطنية ليبية ديمقراطية، اسميها جبهة الأمل، تقاتل بالكلمة الشريفة والنوايا المخلصة، من أجل تحقيق حلمنا، بالعيش في وطن ليبي مستقل في قراره السياسي، وديمقراطي حريص على أبنائه، وبهم رؤوف رحيم.