Atwasat

رواية أخرى لربيع الصحاري

أحمد الفيتوري 3 أيام
أحمد الفيتوري

ظننت لوقت أن الصحاري نار موقدة، فإذا بها ثلج محرق عند غروب ربة النار، وفي الشمال الليبي من شهر مارس، انهمرت على رأسي أمطار، لم أحسب لها أي حساب، قلت لرفيقي إذا كنت جاهلة في التاريخ فإنني غبية في الجغرافيا، فضمني إليه بحنان، عندها فقط أحسست أن جسده يدس دفء الصحراء لجسدي ما اندست فيه أصقاع جليد، رفيقي جاءني مسرعا إلى «هون».

إحدى واحات الجفرة وسط ليبيا عند ضفاف الصحراء، في هون السكينة مترعة، فتسربت في نفسي حتى استكان جسدي، وقد تجرعت الكثير من خمر يدعى عند الليبيين «اللاقبي»، قيل إنه روح النخلة، ما خطر في بالي أنه أسر روح جدي، وليس حبه للفتاة الخلاسية من أسماها أميرة الشمس.

عشت كرم هون حتى الثمالة، خمر ولحم مشوي ووجوه غضة مبتسمة، من في كنفهم نسيت مهمتي وشغلي وثورة الشمال ومعاركه الحامية، ففطنت لجسدي واحتفيت بروحي، وقد سكنت النفس وسط حياد إيجابي، وشرعت في كتابة ما اجتاحني من مشاعر وأفكار مشتتة، في محاولة أن ألم نفسي، هذه المرة انتابني إحساس السائح، من يختلق القصص كي يشدّ إليه من يروي لهم.

فلقد كنت في سكينة الواحات، أعيد حساباتي وأتفكر في مغامرتي التي لم تكن هدفي، ومن خلال تأملي في حالي، بدا وكأن ثمة ندّاهة سلبتني من إرادتي، ومن الهدوء والرتابة انبثق جني، لقد خلقت مجنونة صخب وقلق يستحوذ عليّ من قلق، ما استنهض روحي من كسلها.

رفيقي من لا يعرف متى ولد ولا أين، يؤكد لي أن الصحراء حيث لا أين ولا متى، وأن الواحة صغرت أم كبرت مقام سفر، وأنها في منزلة بين منزلتين، تأتيها لتحط الرحال مستعدا للرحيل، ومنه فهمت أنه حادي العيس، وسنوات عمره ما جاوزت السبعين القافلة، التي نشأت لما ولد في الصحراء التي جعلها الحكم الفرنسي تابعة له، والآن في هذا العمر، شعوره أنه محكوم من قبلي أنا الفتاة الفرنسية.

 

ورغم أننا النقيضان، فكل منا ينتابه حب أن يكون التابع لا المتبوع، لكن من جهتي، شاء أم أبى، هو حادي العيس وسيدي، وإني الجارية من اختطفها من الزمان اللص المجحف، ما كنت سجينة في مغارته التي أمرها أن تصدع له: افتح يا سمسم، فإذ إني محبوسة من قبل أن أولد، وإذ إني وديعته في مغارة ذلكم اللص.

فجأة انتبهت إلى أنه ينبّهني، إلى أن هون تميل إلى الثورة، لكن سبها فاقدة البوصلة، وقد جهز لي في سبها استراحة خاصة بين أهله، وألا أتحرك خطوة دونه أو رفقة أحد يكلفه بي، فنبهته إلى أني عرفت محطنا القادم وحتى خلجاته، فلقد قرأت روايات لإبراهيم الكوني مترجمة، ومنها ممتلئة بنبض الحياة والموت، وأظن صدق ما طالعت ما جعلني أعيش ما لم أعش، لم يعلق، لكن بدا لي وكأنه يثق فيّ، وفي مقدرتي على معاركة الصعب.

جلست في الاستراحة لأريح الروح والجسد، بدأت أقرأ بنهم أي كتاب عن ليبيا، ما مكتبة رفيقي زاخرة بها بالفرنسية، لمؤلفين فرنسيين ومن دول الشمال الأفريقي الفرنسي، للأسف لم يكن منها أي كتاب لمؤلف ليبي غير ترجمات روايات إبراهيم الكوني، وكتب أخرى أقل من أصابع اليد الواحدة، في غمار الراحة هذه، أفقت باكرا وفي الجابية، ما تشبه حوض السباحة في بيتنا، رميت جسدي، سبحت حتى الإنهاك.

ذلك بعد أن هرولت، في مزرعة النخيل المترامية الأطراف المسكونة بالصمت والريبة، ثم عدت إلى المكتب في الاستراحة، كتبت تقريرا صحفيا حيث انقطعت لأيام، لما أرسلته عبر الإنترنت، رد زميل من باريس معلقا، بأن ما أكتب بدا كما مشروع رواية، رددت عليه تبدو الرواية كما تقليعة، ومن جهتي غاطسة في عالم روائي، مسروداته الواقعية تجنح إلى الخيال، وأكاذيبه أصدق من حقائقه..

حاليا أعيش في غابة من النخيل، تضم حديقة حيوان وطيورا نادرة، بها بئر ارتوازية، وبالمزرعة خضار وفاكهة مما تشتهي النفس، كل هذا مملوء بهدوء لا يشوبه إلا زقزقة عصافير وخرير الماء، فأي صحراء هذه، غدوت سندباد أنثى يسكن ألف ليلة وليلة.

شربت لاقبي حتى الثمالة، سكرت من الراحة حتى التعب، لم أنتبه للوقت منذ اجتزت الحدود الشرقية الليبية، أما هنا والآن فلم يكن للزمن معنى، لهذا شمّرت ساعدي كأنني أردت فتح سبها، ساخرة من فعل جدي من أجهد نفسه، لآخذ في الاعتبار، أنه جندي بارع في حملة فرنسا لاحتلال قلعة سبها.

وفي رواية أخرى ينسى هذه المهمة التاريخية، فيسرد لي عشقه لأول فتاة جميلة قابلها ساعة وصولهم أطراف المدينة، فهرب من الحملة مطاردا غزالته الشاردة، رفيقي نسخ رواية جدي حول استقبال أهل المدينة لهم، صحح ذلك أن الأهالي لم يريدوا استبدال استعمار نصراني بآخر، لهذا شاركوا في مطاردة فلول جيش الإيطاليين، ثم انقلب نفر منهم لحظتها على الفرنسيين الذين ارتد الإيطاليون عليهم.

ولأني أعيش لحظة استثنائية، في حياتي والبلد الذي أنقل أخباره، لم أعر التاريخ أذنا صاغية، فقلبي يخفق بالمستقبل، ما يلوح من بعيد مثل سرب الصحراء، وفي صباح اليوم التالي في انتظار سائق سحت في المزرعة، فتحت زريبة بها غزلان، كاد أحدها ينطحني في جانبي، لولا أن محبسه أثقله، وممارستي الرياضة الصباحية جعلتني في خفة عصفور، السائق من شاهدني ذكر لي في الطريق، أن ثمة أنثى حبلى، وأن ذكر القطيع أراد حمايتها مني، ثم سرد من جعبته، الكثير من القصص والأساطير حول غزال الصحراء الليبية.

وفي الطريق أصغت السمع للمدينة النائمة، شدّني مشهد في بلكون شقة توجد دفاية موقد ووهج نارها يسطع، الجو بشكل عام يميل للسخونة، لاحظ السائق اندهاشي فتبرع بشرح الأمر، أن سكان الحي من أنصار العقيد القذافي وضد الثورة، التي يعبرون عن سخطهم ضدها بهذه العلامة، إنارة مصابيح بيوتهم، التي تنير الشارع في النهار مع الدفاية في البلكونة، ثم غاص في ضحك هستيري.