Atwasat

التنظيمات السياسية في ليبيا 1952-1969 (6)

سالم الكبتي الأربعاء 21 سبتمبر 2022, 11:33 صباحا
سالم الكبتي

والذي حصل على وجه العموم أن جمعية عمر المختار تحسست بالفعل من استقطاب الإخوان الثلاثة لمجموعات كبيرة من شبابها الذين تحولوا منها ومن فرقتها الكشفية إلى مجموعة الإخوان بسرعة واضحة للنظر. ربما هي الغيرة السياسية. ربما هي شيء آخر، وظل موقف الجمعية في الواقع ضد هذا التنظيم الجديد الذي حل ببنغازي مع انضمام مزيد الشباب وتكوين (الأسر) منهم وفقاً لنشاط الإخوان المعروف في تنظيمه للأفراد بشكل عام.

وهذا النفور الذي حصل لم يصاحبه أي عنف أو مصادمات بين الطرفين، فقد ظل الجميع يحتفظون بعلاقات ودية غاية في الانسجام، الأمر الذي يناقض ذلك النفورعلى أرض الواقع.

كان الشباب الذي تحول من الجمعية لديه أصدقاء، بل وأقارب وأخوة بقوا على حالهم في دار «ابن لقمان» (الجمعية) وظل المصريون، عزالدين إبراهيم وجلال سعده ومحمود الشربيني، محل تقدير من قيادات الجمعية ويحضرون الكثير من المناسبات الاجتماعية ويتزاورون على نطاق واسع في كل الظروف، وغدا الأمر يعتبر لدى الأطراف الأخرى المناقضة للجمعية بأن الجمعية نفسها تشبه في نظامها تنظيمات الإخوان، وذلك لم يكن سليماً وهو بعيدٌ عن التقييم الصحيح.

ويكفي التوكيد على أن مجموعات من الجمعية كانت بصريح العبارة تناقض ولا تتفق مع التنظيم الطاريء على بنغازي وما حولها.

إن الكثير من الشباب في المدينة استقطبهم هؤلاء الثلاثة القادمون عبر الحدود، الذين ظلوا في ضيافة الأمير وحمايته لا يمسهم أحد بسوء.

ومع مرور الأيام ازداد هذا الاستقطاب، فشمل كل المستويات التي تتلقى التعليم في كل مراحله، خاصة الثانوية أو مرحلة الثقافة، ثم المواصلة في الجامعات خارج ليبيا، كما ضم عديد الأفراد الذين بهرهم واستهواهم النشاط الذي رأوا فيه عوالم جديدة، كالرحلات إلى الضواحي في قاريونس وقنفودة وسيدي خليفة، وعروق الربع على شط البحر شرق المدينة وغيرها، وممارسة الرياضة الصباحية والخدمة التطوعية والأنشطة الثقافية وفقاً للأسر في تلك الرحلات المستمرة، وسادت الأجواء المصاحبة لكل ذلك روح الجماعة والتضحية من أجل الآخرين وأعطى أغلب هؤلاء المثل في الاستقامة وحضور الصلاة في المساجد.

وكان في كل ذلك تأسرهم خطب ومواعظ عزالدين إبراهيم المشهورة في جامع الدراوي وسط المدينة، إضافة إلى قيام الثلاثة بفتح دروس في التوعية والإرشاد والثقافة الإسلامية واللغتين العربية والإنجليزية بعد أن خصصت لهم شقة يقطنون بها في ميدان البلدية أعلى مقهى العرودي.

ولوحظ في هذا المقام بأن من بين الحاضرين المداومين في الغالب على هذه الدروس واللقاءات المستر (فنلي)، الذي يدير المباحث في بنغازي والمتزوج من سيدة يهودية من فلسطين.

وهذا الحرص منه لابد أنه يندرج في السياق الأمني ومتابعة ما يدور بعين مباشرة وقريبة من الحدث في ميدان البلدية.

والحقيقة أن هذا التطوع والمبادرة بالنهوض بالتعليم لدى سكان المدينة، شباباً وكباراً، شهدته بنغازي قبلئذٍ من خلال الفصول الليلية التي كان وراءها السيد محمد العالم حويو ومحمد إبراهيم الفلاح ومحمود مبارك الشريف برعاية لم تكن بعيدة عن جمعية عمر المختار، وقد استمر هذا التطوع المليء بالحماس في المدارس الليلية في بنغازي وعديد المناطق المجاورة (فرزوغة وأجدابيا والأبيار)..

استمر بجهود منقطعة النظير، والوطنية من المعلمين الليبيين والمثقفين وطلبة الجامعة الليبية منذ تأسيسها حتى العام 1963 عندما ضمت الحكومة الليبية ذلك التعليم التطوعي وجعلته رسمياً له إدارة تمنح المرتبات.

وفي جانب يبين اهتمام الثلاثة بذلك أيضاً: في أواخر العام 1951 حين شرعت شركة عبد الله عابد السنوسي في قفل حساباتها الختامية، رأت أن ترصد من زكاتها مبلغاً محترماً ومجزياً باسم التعليم، حيث اقتضت الضرورة ذلك، فهناك الكثير من التلاميذ الفقراء يصلون إلى مرحلة معينة من الدراسة.

ثم ينقطعون عنها لظروف المعيشة القاسية، واضطرارهم إلى العمل، وهنا تكونت لجنة صار اسمها (لجنة التعليم الشعبي) برئاسة عبد الله عابد وعضوية الشيخ خليل الكوافي والسنوسي الأشهب والأستاذين إبراهيم المهدوي ومحمد السعداوية، فيما تولى سكرتارية اللجنة محمود الشربيني أحد الإخوان الثلاثة الذي كان يعمل في الوقت ذاته محاسباً بالشركة.

وبدأت اللجنة عملها في العام 1952 بفتح مدرسة ليلية ثانوية يدرس بها المنهج الثانوي العادي، ويقوم على تعليمه أساتذة من البعثة المصرية التي كانت قد وصلت بنغازي العام 1948 كما فتحت اللجنة معهداً تجارياً لتعليم العلوم التجارية، وعندما سافر الشربيني ورفيقه العام 1954 ضمت اللجنة الأستاذ مصطفى بن عامر رئيس جمعية عمر المختار وأصبح نائباً لرئيسها.

والواقع مثال لأنشطة هؤلاء الثلاثة الدائبة من خلال التعليم والدروس قام عزالدين إبراهيم ومحمود الشربيني مع متطوعين من تلاميذهما الذين احتواهم التنظيم بالتدريس لمدة عام واحد، وفي فترة لاحقة ضمت المدرسة إلى الإدارة الحكومية الرسمية، وأوفد بعض طلبتها لاستكمال دراسة مرحلتهم الثانوية في حلوان بمصر.

كما قامت هذه اللجنة الشعبية التي نشط فيها هؤلاء الإخوان بتقديم مساعدات مالية شهرية عن طريق التبرع للطلبة الفقراء وإكساء العديد منهم، ومدت يد المعونة للطلبة الذين طردوا في العام الدراسي 1951 - 1952 من المدرسة الثانوية الرسمية في بنغازي بسبب نشاطهم السياسي ومشاركتهم في التظاهر والارتباط أو التعاطف مع جمعية عمر المختار التي كانت أغلقت في يوليو 1951 وسجن مجموعة من رموزها الكبار.

فأعدت المدرسة لهم دروساً خصوصية ليلية في أحد بيوت عائلة بالروين في الزقاق الذي يحمل اسمها، المتفرع من سوق بوغولة حتى لا يحرموا من الامتحان ونجحوا جميعاً.

ولعل الثلاثة في ذات الوقت ظلوا يهتمون بالشخصيات البارزة وأصحاب المواهب من هؤلاء الشباب الذين اختفى فراغهم الذي يشعرون به حتى من خلال نشاطهم السابق في جمعية عمر المختار. لقد تحمس أغلبهم لهذه الأفكار الجديدة ووجدوا فيها تعبيراً عما تحتفظ به نفوسهم، ورداً على مظاهر الفساد الأخلاقي والتربوي الذي أعقب فترة الاحتلال الإيطالي بكل مافيها من مساويء.

ذكر لي السيد عزالدين إبراهيم ضمن أحاديثه أيضاً في أبوظبي العام 2008، كما ذكرت في الحلقة الماضية، أن: «الغرض الحقيقي كان هو النهوض بهؤلاء الشباب وربطهم بالإسلام وقيمه ومنهجه بالدرجة الأولى، وإبعادهم عن هذه المآثر والسلوكيات المتوارثة، وازداد الأمر وقوي بتكاتف الجهود لاحقاً بين الجميع»، كما ذكر لي أن «الهدف الثاني هو النأي بأولئك الشباب الطيبين عن المهاترات والعصبيات، والدعوة إلى الخير والصلاة وتوجيههم الدائم لأدائها جماعة في جامع الدراوي في أوقات صلاة الصبح وأيام الجمعة، حيث كان يقوم السيد عزالدين بالخطابة والإمامة».

ثم أكد القول لي تعزيزاً لما ذكرته في الأسطر التي مضت أن الاهتمام بالتعليم وإلقاء الدروس ومساعدتهم في المستويات كافة من أعلى مستوى لطالب ذكي إلى أدنى مستوى لطالب بسيط أو عامل متواضع في محطة الكهرباء أو في أحد المقاهي. وأكد أيضاً أن مبادرتهم لم تكن من أجل غرض سياسي أو مناهضة الدولة أو الترصد للتنظيمات الأخرى.

وأشار إلى أنهم، أي الثلاثة، كانوا ينتهجون مع الشباب مبدأ الوسطية والالتزام بالدين والحكمة وسط ظروف كما قال تشوه الإسلام.. الدين؛ لأنه شرع الله، والحكمة لأنها العقل، واستشهد بالآية الكريمة «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً».

كانت الأنشطة علانية وعلى مسمع ومرأى من السلطات، ولم يكن هناك مقر ثابت أو معروف للنشاط الذي استرعى الانتباه، وظلت تراقبه السلطات أيضاً من بعيد، وكان بعض رجاله يحذرون الشباب على مستوى خاص من الاستمرار في ذلك النشاط حرصاً على مستقبلهم، كما كانوا يرددون من خلال النصح والتوجيه، وفي جانب موازٍ للأحداث المتلاحقة حاولت الجهات الأمنية المصرية مطاردة الثلاثة في بنغازي.

ظلت تتعقبهم وجندت أحد عملائها المحليين في المدينة لاغتيالهم ولم ينجح في ذلك، فقد ألقي القبض عليه مباشرة وحفظت القضية في أدراج التاريخ، وفي القاهرة البعيدة رداً من حكومتها على إيواء الثلاثة ارتهنت لديها اثنين من تجار بنغازي هما بشير لنقي وعبد ربه الغناي، فترة من الوقت في مقابل أن تسلم حكومة برقة أولئك الثلاثة إليها.

ورفض الأمير والحكومة ذلك تماماً، ونوقش الأمر على مدى أيام في اجتماعات المؤتمر الوطني البرقاوي، الذي لم يستجب أيضاً لتلك المساومة، وظلت المنطقة في عمومها تغلي مثل مرجل فوق النيران بلا توقف..