Atwasat

مجرد هديل حمام

محمد عقيلة العمامي الإثنين 19 سبتمبر 2022, 10:22 صباحا
محمد عقيلة العمامي

الألمان يسمون بسمارك المستشار الحديدي، وظل كذلك من سنة 1871 إلى 1890. لم يكن لألمانيا في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر مستعمرات ذات قيمة تذكر قياسا لمستعمرات فرنسا وبريطانيا، ولذلك كان من الصعب منافسة بقية الدول الأوروبية التي تمتلك مستعمرات توفر لها الثروة، وبالتالي النفوذ.

في تلك الأثناء تولى بسمارك رئاسة وزراء ألمانيا. كان مؤيدا للحكم الملكي رافضا لإقامة دولة ديمقراطية، فسن قوانين صارمة تعتبر مثالا للدقة وحسن الأداء، فأقام لألمانيا اقتصادا تميز بفاعليته وأيضا قوته، التي تأسس بها. فظل كذلك حتى يومنا هذا.
لقد حقق ذلك بعيدا عن الحروب، مؤسسا سياسة سلام أقامها بمعاهدات مع روسيا وإمبراطورية النمسا والمجر. وهو الذي قال: "المقاتلون وحدهم هم الذين يعرفون ويلات الحرب، ولذلك هم من ينادون، وبقوة، بالسلام" وقال أيضا: ".. إنني أبتهل إلى الله أن يأتي اليوم الذي يتحول فيه الأقزام إلى عمالقة، وينطلق كل رجل وامرأة وطفل، ويحفروا أكبر مقبرة في التاريخ لكل الأسلحة، وتزرع أشجار الزيتون، التي لا تموت طالما بقيت المياه تروي جذورها.. " .

ليبيا الآن، لديها الأسس التي كانت وراء قيام ألمانيا الحديثة، وفوق ذلك لا تحتاج إلى مستعمرات تبتزها لتقيم دولة. فما الذي يمنع قيام دولة ليبيا التي تفوق في قدراتها، الآن، قدرات ألمانيا في القرن التاسع عشر؛ ليبيا لها موقع جغرافي خرافي في مقدراته، ولها ثروة لا يمكن حصرها، وتعداد شعبها تستوعبه تماما، مساحته غير الطاردة كالصحراء، التي بفضل النهر الذي يجري أسفلها يمكن قهر جفافها.

إن ما تحتاجه بلادنا هو نظام أثبت فاعليته في زمن قياسي. نالت ليبيا استقلالها نهاية سنة 1951 وسريعا ما قامت دولة حقيقية، انتبهت إلى اختلاف ثقافات أقاليمها وتباعدها، فرأت أن نظام الولايات هو ما يناسبها، فكانت المملكة الليبية المتحدة، بولاياتها الثلاث. وتحققت في زمن قياسي نهضة تعليمة بديعة، وما إن اكتشف النفطـ بعد عشر سنوات، حتى عمت نهضة قياسية، في التعليم والرخاء والعمران. النظام الملكي لم يستمر سوى سبع سنوات من بعد اكتشاف النفط، فتأسست جامعتان كبيرتان، ومدينتان رياضيتان، وارتبطت أقاليم الولايات الثلاث بشبكة طرق مازالت قائمة حتى الآن. وظل جواز سفر المملكة الليبية محترما في أقطار العالم كافة، وأشهد الله أنني وصلت مطلع سنة 1970 من أمريكا إلى كوبنهاجن وعبرت دول أوربا كافه بتحية من ضباط الحدود بمجرد أن أبرزت جواز سفري الذي كان حينها مازال مزدانا غلافة ألأسود بتاج المملكة الليبية.

ومررنا بتجربة مريرة، تأسست على الديمقراطية، بل تجاوزتها فكان هدف الديمقراطية أن ينتقي الشعب من يمثله، فقام نظام اتجه مباشرة إلى أنه لا أحد يمثل الشعب، فضاعت مشية الحمامة! وفي الحالتين لم تكن الديمقراطية هي الحل، وإنما قناعة الانتماء إلى الوطن، واكتشفنا أن وطن المرء هو المكان الآمن له ولأطفاله، وعرفنا أن ذلك لا يتحقق إلاّ بالرخاء والأمن والاستقرار، ولذلك نجحت ألمانيا بفضل رئيس الوزراء، أو المستشار الحديدى (أوتو فون بسمارك) الذي أشرف على توحيد الأقاليم، قد تكون ثلاثة أو أكثر، وحقق رخاء لدولة مشهود لها الآن أنها الأكثر استقرار واقتصادا وتقدما علميا، ولم تقم الديمقراطية إلاّ بعد أن حقق الرخاء المنشود.

خلاصة هذا الكلام، أن الديمقراطية ، غاية إنسانية عالية لا تتحقق إلاّ بالعدل والرخاء والمساواة، وهي تحتاج إلى مستشار حديدي يقودها نحو بناء الوطن، وبدون (صريرات) وصفقات له، وأخرى على وجوهنا. مستشار حديدي يقودها نحو الرخاء من خلال العلم والثقافة، ونوافذ تستقبل الهواء الصحي من الاتجاهات كافة، ومن دون أن يستحوذ أي منها على ما يراه هو وحده ما يناسبنا كافة، ويفرضه علينا أحيانا بالمغالبة.

مستشار حديدي يتصدى للمغالبة، فبلادنا لكل المنتمين إليها، بمختلف اتجاهاتهم. مستشار حديدي مخلص ممتدة جذوره في هذا الوطن ويراه أنه للجميع، وغير ذلك - في تقديري - مجرد هراء. وتقليد لمشي الحمامة!