Atwasat

المثقف والسائس

سالم العوكلي الثلاثاء 13 سبتمبر 2022, 02:14 مساء
سالم العوكلي

بعد الحديث عن تقلبات ألفونس دو لامارتين وفيكتورهوغو السياسية إبان ثورة فبراير 1848 في فرنسا، تطرقتُ في ختام المقالة قبل السابقة بـ «بوابة الوسط» إلى مرحلة ديغول في مقاومة النازية، ومن ثم التأسيس للجمهورية الخامسة، في سياق تأمل مختزل لعلاقة المثقف بالسياسة أو بالسياسي، وهنا سأتطرق للعلاقة العضوية التي تشكلت بين ديغول وأندريه مالرو في ما بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى استقالة ديغول من رئاسة الجمهورية العام 1969، وكما ذكرتُ سابقا.

أكتب هذه الملاحظات أثناء متابعتي لمسلسل ديغول في قناة «العربي 2»، الذي يرصد تفاصيل من سيرته ومن حوارات أُجريت معه أغفلها التاريخ التقليدي الذي عادة ما يفصل السياسي عن بعده الإنساني، والأحداث الكبرى عن شجون الحياة اليومية التي تقف وراءها، ما أسس في مجمله للظاهرة الديغولية التي تتمحور حول توطيد الشخصية الفرنسية.

وتحرير السياسة الخارجية للأمة الفرنسية من شباك الهيمنة الأميركية على أوروبا التي بدأ نسجها بعد الانتصار في الحرب العالمية الثانية، وتتمثل خطوط هذه الظاهرة الرئيسية التي تمزج بين الفن والفكر والسياسة في حب فرنسا واستقلاليتها، والدفاع عن تقاليدها الجمهورية الراسخة التي كم راودتها رياح الاستبداد.

يزخر التاريخ بروايات عن علاقة المثقفين أو المبدعين بالسياسة، أو بالسلطة؛ بين خدم لأهدافها، أو ملهمين لقادتها، أو علاقات أخرى معقدة ظل الارتباك سيدها بين تأثر وتأثير، وصداقة وخصومة، ومن أهم أمثلتها في التاريخ البعيد والقريب: أفلاطون وابن خلدون اللذان ارتبطت تجاربهما في الانخراط في السياسة بالفشل كما يقر المؤرخون.

وصولاً إلى علاقة هتلر بكتابات نيتشه، وموسيليني بأفكار جوستاف لوبون عن التحكم في الحشود، أو علاقته الشخصية مع الشاعر عزرا باوند، وعلاقة عبد الناصر بمحمد حسنين هيكل، أو القذافي بالصادق النيهوم، وبقدر اختلاف طبائع هذه العلاقات، إلا أنها تصب جميعها في فكرة لقاء السياسي أو الزعيم بمثقف ما تأثر به، أو ألهم تصوراته للمستقبل، وأغلبها كان مرتبكأً نتيجة تأويل السياسي الملتبس للمفكر أو اختزال مشروعه في مقولات عاجلة، أو سوء فهمه.

وفق ما يقر بعض المؤرخين، فإن علاقة ديغول بمالرو كانت أحد التفاهمات الناجحة والنادرة في تاريخ العلاقة بين المثقف والسياسي، حيث إيمانأً منه بمشروع ديغول لفرنسا المستقبل التحم مالرو به مضحيأً بمكانته وصيته في الوسط الثقافي، وتعرض لحملات انتقادية شرسة بسبب ارتباطه العضوي بالسلطة وتقلده لمنصب مهم، وقد توقفت حياة مالرو السياسية مع رحيل صديقه المقرب ديغول، وبعد فترة وجيزة أصدر حوله كتابه المهم والمثير «أنا وديغول أو السنديانات التي تُقتلع». يذكر الباحث والكاتب إبراهيم العريس، في موقع «إندبندنت عربية»، أن «هذا الكتاب، وعلى عكس ما يمكن أن نتوقع، ليس كتاب تأبين للجنرال، بل هو عبارة عن حوارات طويلة جرت بين الكاتب والجنرال، تغوص في السياسة والفكر والإبداع.

لكنها تكاد تكون مونولوجاً بصوتين، على اعتبار أن مالرو يبدو في الكتاب وكأنه ينهل من الذاكرة لا من أي مراجع أخرى، نوعا من (دردشة) بين فكرين وعقلين ونظرتين إلى الثقافة والمجتمع. ولعل الجانب الأهم في الكتاب هو أن المثقف يبدو فيه أكثر اهتماماً بسبر أعماق السياسي في لعبة تكاد تكون سيكولوجية، أكثر مما يبدو تواقاً إلى عرض أفكار زعيمه وتصحيح بعض الرائج منها. باختصار يعيد مالرو في نصوص هذا الكتاب، الاعتبار لفكر صديقه وقائده، وربما في نوع من تبرير لاحق لوقوفه الدائم إلى جانبه وقوفاً كلفه الكثير. ومن هنا ما قاله بعض النقاد عن الكتاب بأنه تبرير لمواقف مالرو بقدر ما هو سبر لأفكار ديغول».

غالباً ما يجد المفكر الملتحم بمشروع السياسي ــ مُنظراً أو تابعاً ــ نفسه عارياً في غابة التاريخ الموحشة حين يرحل السياسي، ويعكف في ما تبقى من عمره على إعادة قراءة هذه العلاقة عبر كتاباته اللاحقة كنوع من التطهر أو تبرير أداء السياسي، غير أن ديغول المثقف كان مختلفأً في أدائه وفي طبيعة علاقته الحميمة مع مالرو، وكان المشترك بينهما في الرؤى واسعاً باعتبارهما يغرفان من معين واحد جوهره حب فرنسا.

ومالرو كان يدرك أن أحلامه تحتاج إلى زعامة بقوة ديغول كي تجد طريقها إلى التجسد، كما رأى هوغو ذلك في نابليون قبل قرن لكنه خذل أحلامه، ولهذا السبب يعتبر المؤرخون هذا التحالف بين ديغول ومالرو إحدى العلاقات الناجحة التي تبادل فيها الرفيقان أنخاب فرنسا الحرة.

بعد أن تحررت فرنسا من الاحتلال النازي، ورجع زعيم المقاومة ديغول من لندن إلى باريس مع حكومة منفى وطنية، بادر مع رفاقه في المقاومة في تأسيس ما سماه «الجمهورية الخامسة»، وكان من بين المقربين إليه في مشروعه السياسي ذي المحتوى الفلسفي المفكر مالرو، الذي اقترح ديغول تكليفه بوزارة سيادية في الحكومة الجديدة، لكنه رفضها مقترحا أن يتقلد وزارة الثقافة، إيمانا منه بأنها وزارة فوق الوزارات السيادية، وبأن المعركة القادمة في فرنسا المستقلة من النازية ستكون ثقافية بالدرجة الأولى، قائلاً بتفاؤله المعروف حين استغرب ديغول اختياره: «إن عقل فرنسا أصبح بين يدي».

«هذا الإحساس الراقي بقيمة الثقافة ودورها في صياغة عقل الأمة.. هو الذي قاد مالرو إلى تطوير ملكات المواطن الفرنسي، وتحريره من آثار ثقافة الحرب، وإفرازاتها في العنف الفكري، والاحتقان الاجتماعي.. مما دفعه لبناء المجتمع والدولة، بسخاء في الصرف على البرامج الثقافية، انطلاقاً من القيم الوطنية، الموصولة بمبادئ الثورة الفرنسية، في الحرية الفردية، والمساواة الاجتماعية، والتواصل الإنساني»، كما كتب محمد رضا نصر الله في مقالته «وزارة الثقافة بين ديغول ومالرو» في جريدة «الرياض» (مايو 2003).

في خطاباته الحماسية التي كان يلقيها عبر الراديو من لندن فترة المقاومة، كان ديغول يخاطب دائماً فرنسا وليس الفرنسيين، ويذكر الشاعر والكاتب اللبناني هنري زغيب، مترجم كتاب مالرو «السنديانات التي يَقْطَعون» في إحدى مقالات الأربعاء بصحيفة «النهار»، التي راجع فيها ترجمته وتوقف عند مقولات وأحداث مهمة: إن مالرو علق أن الرئيس ديغول قال: «مع فرنسا»، ولم يقل: مع الفرنسيين. فهذا القائد التاريخي، مذ أَطلق نداءه من لندن (18 يونيو1940) كانت فرنسا غايته، فرنسا حبيبته، فرنسا شمسه، أَيا تكن مواقف الفرنسيين الذين.

بعد كل ما فعل من أجلهم كي يحببهم بفرنسا، خذلوه فغادر الإِليزيه لينسحب إلى قريته النائية (كولومبيه) يمضي فيها آخر سنتين من حياته، خاتمأً بمرارة حواره الطويل مع مالرو:«لم يعد للفرنسيين طموح وطني، ولا استعداد لديهم إلَا انصياعهم للتيارات السياسية».

وفي مكان آخر من الحوار قال لمالرو: «في شعبنا جموع تتبع سياسيين ممتلئين حقدأً وكراهية. لكنهم آنيون ظرفيون سرعان ما يتقلبون بمواقفهم فيقلبون وراءهم جموعهم».

وقد تابعت بعض هذا الحوار وهذه الجمل حرفياً في المسلسل الذي يبث الآن، ومن ضمنه يقول ديغول لمالرو معلقاً على زيارته لإيطاليا: «هل تذكر جملة البابا الشهيرة؟ الفرنسيون لا يحبون فرنسا؟. لا يمكن بناء وطن لا يؤمن أهله به ولا يثقون بغده أو بغدهم، ولا يتقون الله فيه... هذه الثقة لا يمنحها إياهم سوى القادة والنزهاء وعمال الصالحات.

الخارج يقدم المعونة أو النصيحة أو المساعدة، ولكن ليس في استطاعة أحد أن يقدم لنا مشاعر الترؤف بالوطن والتمسك بالأرض»، «في هذا الكتاب الذي وضعه مالرو، وفاءً، بعد وفاة الرئيس (9 نوفمبر 1970) كثير من هذه المواقف الخالدة لرئيس استثنائي عرف أن مجد وطنه ليس من سياسييه العابرين كالغيم العابر، بل من مبدعيه الخالدين بآثارهم الخالدة».

ويتساءل زغيب حيال الحرقة التي أصيب بها ديغول في آخر أيامه: «أهو شعور الخيبة من شعبه؟ أم لأن شعبه ينقاد إلى سياسييه لا إلى عظمة بلاده في التاريخ والحضارة؟»
ويستطرد محاولاً الإجابة عن سوء الفهم بين السياسي التقليدي والسياسي المثقف الذي يرى بعيدأً: «كان شارل ديغول آتيأً من غد فرنسا رائيأً أمسها كي يواصل لها مستقبلأً يليق بمجدها».

ذات يوم كان ديغول يدشن مبنى حكوميأً في باريس. قبل الاحتفال جاء من يلفته إلى غياب اسم الشاعر صاحب البيتين المحفورين فوق مدخل المبنى. فأجاب ديغول بكل شمم فرنسي: «أنا شئت ذلك. من ليس يعرف أن البيتين هما للعظيم ڤـيكتور هوغو، لا يستاهل أن يحمل هوية فرنسا».

يوم آخر، في جلسة خاصة، استغرب أحدهم طلب الرئيس أن يجلس مالرو إلى يمينه في مجلس الوزراء لا رئيس الحكومة، فأجاب ديغول بالاعتزاز الفرنسي ذاته: «مالرو لا يجلس عن يميني. أنا أجلس عن يساره».

يركز مسلسل (ديغول) على حضور ابنته (آنا) المصابة بمتلازمة داون في تفاصيل حياته وقراراته، حيث اعتبرها مصدر قوته حين كان عسكريأً يقود المقاومة، وسياسياً يقود فرنسا، وحتى بعد أن توفيت ظل يزور قبرها مع زوجته كلما أحاط به ظل من اليأس أو الإحباط ليستمد منها القوة.

وفي آخر أيامه في بيته بقرية كولمبيه وأثناء حوار عاطفي مع زوجته قالها لها: إن عمرها الآن أربعون سنة. وهو عمر لا يصله غالبأً المصابون بهذه المتلازمة ولكن لاوعيه كان يقول إنها مازالت حية معه، ومازالت حارسته الوفية ومنبع قوته وإرادته.