Atwasat

الخير الأبيض وألوان الشر

سالم العوكلي الثلاثاء 09 أغسطس 2022, 11:19 صباحا
سالم العوكلي

سمى الأميركيون البيض ثورات مستعبديهم من الأفارقة بالخطر الأسود الذي يهدد مصالحهم، وحين منحوا حق التصويت والمشاركة السياسية ظهرت للواجهة من جديد عبارة الخطر الأسود القادم، وهي عبارة كررها كثيرا بسياقات مختلفة رئيس البيض في أميركا ترامب.

وفي ظل الحرب الباردة كانت عبارة الخطر الأحمر تطلق على الخصم السوفياتي، وتحت هذا الشعار ظهرت أكثر الحركات تطرفا وإرهابا مثل المكارثية الشبيهة بمحاكم التفتيش، والآن تصدح دوائر إمبريالية كثيرة في الغرب بمقولة الخطر الأصفر الذي يقصد به في هذه الحالة الجنس الصيني.

إبان التسعينيات من القرن الماضي توجه الراديكاليون من تحالف الأخوة الأعداء؛ الذي يضم اليمين الجمهوري المتطرف واليسار الديمقراطي المتطرف، بالنقد اللاذع لسياسة بيل كلينتون حيال الصين أو ما سُمي، آنذاك، فن إدارة الاشتباك البَنّاء، واستُخدِمت ليونة كلينتون كورقة ضده في حملات انتخابات الكونغرس العام 1998 وانتخاب الرئيس العام 2000 ، وضمنوا هذا النقد حنينا لحقبة الثمانينيات وما حققه ريغان عبر ما سموه (حربه الصليبية) ضد (إمبراطورية الشر) الاتحاد السوفياتي أو الخطر الأحمر على لون الحرية الأبيض. وغالبا لا يحدث هذا التحالف الغريب بين اليمين واليسار الراديكاليَين إلا في مثل هذه الأخطار التي تتهدد هيمنة أميركيا على الكوكب ودفاعها المستميت على أن تكون القطب الأوحد الذي يرسم النظام العالمي كما يريد، وهو التحالف الذي يحدث الآن بقوة في مواجهة خطر روسيا العائدة من جديد كقطب عالمي يستعيد عافيته، والصين التي شكلت منذ تفكك الاتحاد السوفياتي التحدي الأكبر للولايات المتحدة، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وهي قوة حقيقية تنمو باطراد في الوقت الذي تتراجع فيه مؤشرات أميركية عدة.

في فلم كوميدي، لا يحضرني اسمه، يتمحور حول إرسال المخابرات الأميركية لفريق صحفي مهمته اغتيال رئيس كوريا الشمالية عبر سم ينتقل بالمصافحة، تقول عميلة في المخابرات المركزية: إذا ما حدثت حرب نووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحددة فإنهم يتفوقون علينا بميزة واحدة تكتيكية، كونهم لا يأبهون بموت مليون شخص منهم بعكس رأينا العام الذي تحركه عشرات التوابيت. وبغض النظر عما تضمره هذه الملاحظة أو الميزة من قدح لاستهتار قوى الشرق حيال حياة مواطنيها، ومدح لرقة المشاعر الأميركية، إلا أنها تشي أيضا بخاصية مهمة من خاصيات الصراع بين الغرب والشرق، على مستوى القوى الكبرى، فالأمم الكبرى في الشرق تنحاز لسلطاتها مهما كانت غير ديمقراطية وتصطف وراءها حين ترى فيها حلما بإعادة هيبتها ونرجسيتها المنبثقة من مشاعر قومية قوية، وبالتالي هي مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل إعادة كبريائها، وهذا ما لا تتمتع به شعوب الدول الغربية القوية، التي ترى كبرياءها في رفاهها وغير مستعدة للتضحية به حين تهدده زيادة الفواتير أو التضخم، ولا يعنيهم في هذه الحالة تغني سلطاتهم بالدفاع عن الحرية أو الديمقراطية في العالم. وعلى سبيل المثال، لو أن ربع العقوبات التي فرضت على روسيا تفرض على الولايات المتحدة لأنهار اقتصادها خلال شهر وعمتها الفوضى العارمة؛ لأن من ناحية شعوبها المرفهة إلى حد ما غير قابلة أو مستعدة لأي نوع من التضحية بسلاسة حياتها اليومية، ولأن اقتصادها المعتمد على هيمنتها وأساطيلها التي تجوب محيطات وبحار ومضائق الأرض، والمعتمد في أغلبه على النظم المصرفية والشركات المالية والسوق الحرة، هش أمام أي عقوبات، وأزمة حرب الناتو مع روسيا في أوكرانيا عرت مثل هذه الاقتصادات، وأدرك العالم أن أهم السلع الضرورية التي يعتمد عليها معظم سكان الأرض كي لا يجوعوا يأتي أغلبها من أراضي الاتحاد السوفياتي سابقا، مثل القمح وباقي الحبوب، والطاقة الرخيصة والمعادن المهمة، وغيرها من السلع الضرورية للحياة، أما ما ينبني عليه معظم اقتصاد الغرب يشكل معظمه الأثير والبرمجيات ومواد الزينة والرفاه. ورغم ذلك تظل الولايات المتحدة تربط كل الألوان بالخطر، أسود وأحمر وأصفر، إلا اللون الأبيض، سيد الألوان ورمز الرقي والحرية والديمقراطية... إلخ، وباقي البشر الذين عليهم أن يستسلموا لهذا القدر الأبيض يسمون الملونين، فديمقراطيتهم المحلية التي لا تمارس إلا داخل الحدود لا يمكنها أن تتسع إلا للون واحد، وما عداه ألوان ارتبطت في ذاكرة أجيالهم وعبر ما رسخته بعض أفلام هوليود الرخيصة بالشر والعنف أو بالغباء.

من جانب آخر أطلقت الأدبيات السياسية الأميركية على حروبها على هذه الأخطار «الحرب الصليبية»، مثلما سمى بوش الابن حربه على أفغانستان والعراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر «الحرب الصليبية»، وعلنا كان ساستها يسمونها بهذا الاسم، بل إن تحالف الضرورة بين أنصار حقوق الإنسان اليمنيين ودعاة الحمائية التجارية من أهل اليسار، شنوا حملة تكفيرية (كاثوليكية واسعة) وعبر مجلس بحوث الأسرة، على الصين المتشددة في تنظيم الأسرة، متهمينها بملايين حالات الإجهاض سنويا. رغم أنه في أميركيا يروج رأي عقلاني حيال هذا التنظيم الأسري مفاده أن تقييد نمو أكثر أمم العالم كثافة سكانية يعتبر عملا فاضلا، إذا ما كانت النتيجة تحسين النمو الاقتصادي في الصين، وتحسين فرصها لتطبيق الديمقراطية في المجتمع، ودعم الاستخدام الأفضل للموارد البشرية، بمعنى أن سياسات الصين في هذا الصدد تخدم مصالح الصينيين ومصالح أميركيا أيضا والعالم أجمع.

لكن أميركيا التي لا يمكن أن تتفاهم إلا مع نفسها أو مع من يشبهها، تريد للصديق أن يكون على شاكلتها أو نسخة منها كي تحذفه من قائمة محور الشر ومن قوائم عقوباتها، بينما الدول التي لا تسعى لرضا أميركا لا يراودها شك في أنها محور الشر الحقيقي في العالم، وإن تدخلها في أمم تبعد عنها آلاف الأميال هو ما يجعل العالم مضطربا ودائما على شفير الحرب، ومن الطبيعي أن تفعل أي قوة جبارة هذا، ومن الطبيعي أن تقوض أي فرصة للسلام أمةٌ يعتمد معظم اقتصادها على بيع السلاح والذخائر ومشاريع إعادة الإعمار، ويعتمد استمرار هيمنتها وكونها القطب الواحد على ضرب واستنزاف القوى المنافسة. تستفز روسيا عبر التيار الفاشي الذي ينمو على حدودها في أوكرانيا، وتعتبر جزيرة القرم أو إقليم دونباس المتحدث بالروسية جزءا لا يتجزأ من سيادة أوكرانيا، بينما تعتبر تايوان، الجزيرة الصينية على مر التاريخ لها الحق في تقرير مصيرها، وتعتبر ما تفعله إسرائيل من حرب إبادة على أصحاب الأرض حقها في الدفاع عن نفسها، وعبر كل هذه التناقضات تدير علاقاتها مع العالم، بل لا تعتبرها تناقضات لأنها تنبع من صميم أيديولوجيتها المكيافيلية، أو من لزوم النظام الرأسمالي الذي جوهره أن يقايض القيم بالمصالح، وأن يبيع المواقف على مسطبة المطامع في سوقها الحرة المتفشية في كل القارات. ولإثارة اضطرابات أخرى تجاه قوة أخرى تشي بتعددية في العالم تذهب بيلوسي في زيارة خبيثة إلى تايوان لاستفزاز التنين الصيني الذي بدأ ينفث نيرانه في مضيق تايوان، والمعروف أن تايوان ومنذ تسعينيات القرن الماضي كانت المسألة البالغة الحساسية لبكين، وهي المعبر بقوة عن النزعة القومية الصينية وهي الشاحن الجنوبي القوي للاقتصاد الصيني كي يتربع مستقبلا على عرش أقوى اقتصاد فوق الأرض. لقد لعبت أميركيا لعقود على الخلاف البنيوي بين الاتحاد السوفياتي والصين، واستخدمت الصين كأداة لضرب وتقويض الاتحاد السوفياتي، والآن تلعب لعبة خطرة عبر التقريب بين بكين وموسكو ووضعهما في حلف واحد عبر تحرشاتها المتزامنة بروسيا عن طريق أوكرانيا، وبالصين عن طريق تايوان، وهو منحى يقوده زعماء هرمون، بايدن وبيلوسي، قد يفضي إلى حرب نووية لا تخسف بالنظام العالمي الراهن بل تخسف بوجود العالم من أساسه.

نعم تتسق أميركا مع ثقافتها ومع العوامل التي شكلتها كأمة على أنقاض أمة أخرى، ومع شعاراتها المعلنة وغير المعلنة، لكن الصين أيضا تتسق مع ثقافتها وتراثها وهويتها وروحها الممتدة آلاف السنين من عقيدة وفلسفة وتاريخ شكلها بهذا التجانس، كما أن روسيا تتسق مع ثقافتها وتراثها وتاريخها، ولا يمكن لأمة في هذه الدنيا أن تحتكر أيديولوجية أو نظام حكم تعتبره كونيا، وتنتهك سيادات الأمم الأخرى تحت ذرائع نشر نموذجها أو الدفاع عنه، لأن هذا بالضبط ما فعلته النازية والفاشية والشيوعية، وما حاولت أن تفعله بعض الأديان عبر العنف أو التبشير، وما تصدح به كل جماعات التطرف المجنونة الآن وعلى رأسها داعش. ومهما اختلفت الشعارات ومهما كان بعضها براقا، فإنها تنبع من العقيدة نفسها: أنا الوحيد على حق وأنا من يملك مفاتيح الخلاص ويحق لي أن أقترف ما شئت من أجل أن أجعل العالم شبيهي وأكثر سعادة بتعميم نموذجي، أما الحديث الملتبس عن القرية الكونية أو العالم الصغير أو نهاية التاريخ فهو مجرد ذريعة أخرى لتوجه عولمي أو استعماري جديد يبرر نفسه عبر نشر الثقافة والقيم التي تجعل العالم متشابها ومستنسخا من القوة المهيمنة.