Atwasat

(حَجّة وتُوبة و.. زُول من نبّيه)

جمعة بوكليب الأربعاء 06 يوليو 2022, 10:54 صباحا
جمعة بوكليب

نحنُ الآن في العشرة الأوائل من شهر ذي الحجة، وعلى بعد مرمى حصاة من وقوف الحجيج بجبل عرفات، وذبح أضاحي العيد في اليوم التالي. كل عام وأنتم بخير وسلام من الله. وندعو الله أن يتقبل من الحجيج حجّهم وصلاتهم ودعاءهم، وان يرزقنا وإياكم من حلاله، كي ننعم بأداء الفريضة في أقرب أجل ممكن. آمين.

في بداية الألفية الثالثة، أتيحتْ لي فرصة لأداء فريضة الحج و"بَلُّوشِي"، لكنّي، عمداً، أفلتُّ تلك الفرصة النادرة. وما حدث هو أن صديقا تُونسياً، يعمل مدير تحرير في إحدى الدوريات السعودية، ويقيم في لندن، اتصل بي هاتفياً، عارضاً عليَّ دعوة مفتوحة من وزارة الإعلام السعودية لأداء مناسك الحج.

وعلمتُ أن ذاك كان تقليداً سنوياً كريماً من الوزارة المذكورة، توجّه فيه دعوات إلى عدد من الإعلاميين والكُتّاب العرب والمسلمين لأداء الفريضة على حساب الوزارة. اعتذاري عن قبول الدعوة الكريمة كان ناجماً عن قناعة شخصية بأن الحجَّ لمن استطاع إليه سبيلاً.

وأنني، حين تكون ظروفي، المالية والصحية والمهنية، مواتية، سوف أتوجه لأداء الفريضة بحلال مالي، وليس بمال أحد غيري. وبالطبع، لامني عديد من أصحابي على تفويت الفرصة، لكنّي لم أندم، وفي نفس الوقت، لم تتح لي فرصة، حتى الآن، لأدائها.

ما دعاني للحديث عن الحجّ، وأفواج الحجاج تتوافد على الأراضي المقدسة، إدراجٌ نشرته الصديقة الكاتبة سعاد سالم على صفحتها في الفيسبوك مؤخراً. الإدراج تضمن مقطعاً من أغنية قديمة كانت "الزمزامات" في طرابلس، أيام زمان، يفتتحن به وصلاتهن الغنائية في الأعراس.

الأغنية تلك عُرفت وانتشرت باسم "اللي دليل العقل والع بيه" والبعض الآخر يعرفها بأغنية "صلى الله عليه" المقطع المعنى يقول: "صلوا على يتقيني .. اللي بشبحته نوصل لزهوة عيني… نطلب ربي يعطيني… حَجّة وتُوبة وزُول من نبّيه.. وصلى الله عليه."

الأغنية مديحٌ في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا التقليد الافتتاحي المديحي لا يقتصر على فرق الزمزامات، بل نجده، أيضاً، حتى في فرق "موسيقى الزُّكرة". وهي فرق موسيقية رجالية معروفة تحيي الأعراس وحفلات الختان وغيرها. كانت تلك الفرق تبدأ وصلاتها بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذا المفتتح: "أول ما نبدأ نهاجي بالصلاة على الهادي صلوا عليه.

أول ما نبدأ نقول بالصلاة على الرسول صلوا عليه." وأجزم أن الفرق في جمال الصورة الشعرية في مفتتح الزمزامات النسوي "اللي دِليل العقل والع بيه" يعلو في مرتبة مديحه، جمالياً وشِعرياً، عن المفتتح الآخر.

ما لفت انتباهي وأثار اهتمامي، هو ما ينتهي به المقطع المذكور أعلاه من رجاء حارق، على شكل دعاء وابتهال إلى الله، وكأنه صادر من أعماق قلب صوفي. ولأن الفرقة الموسيقية نسائية، فمن المفترض أن مؤلف تلك الكلمات امرأة. إذ المعروف عن الزمزامات أنهن يتولين أمر تأليف ما يغنين من أغانٍ. لكن القفلة المتضمنة أن يمنح الله المؤلفة أو المغنية: "حَجّة وتُوبة وزُول من نبّيه" استوقفتني، وهزّتني وجدانياً، وتوغلت في أرجائي.

ربما لأنني رغم معرفتي بالأغنية لم أسمع بهذا المقطع من قبلُ.

فالمؤلفة امرأة عادية جداً، وبالتأكيد أنها أمّية، أي أنها لا تجيد القراءة ولا الكتابة. وبالتأكيد، لم تسمع مطلقا بالمتنبي أو بأدونيس. وهي رغم حرصها على أن تطلب من الله أن يمكّنها من أداء فريضة الحج، وأن يَمُنَّ عليها بالتوبة، لم تنسَ أن تبتهل إليه سبحانه وتعالى أن يهبها كذلك رؤية من تعشقه وتريده.

وكأن الحجَّ والتوبة لا يكتملان إلا بتحقق الفوز بالمعشوق. أليس هذا ما نسميه شِعراً؟

كل عام وأنتم بخير.