Atwasat

ابن الطاهر.. جرت السواقي وخوذ لعبتك

سالم الكبتي الأربعاء 06 يوليو 2022, 10:51 صباحا
سالم الكبتي

تبدو صورة الوطن كبيرة من خلال الغيوم السوداء.

ثمة تفاؤل. ثمة إشراقة. ثمة نهوض. الوطن لا يغيب.. لا يموت في عيون الأطفال وفي خيوط الشمس وفي ضوء القمر و في حروف الكلمات.. وفي كل شيء.

إنه ذلك الوطن الكبير الذي يعيش حتى وإن طغت على معالمه الصور الكريهة التي تُشينه وتسيء إليه في العموم. صور الطماعين والجشعين.. الجائعين إلى الحرام. صور المتكالبين المتهالكين على الكراسي والمناصب والأموال. لا يريدون تاريخا نظيفا أو سيرة رائعة لهم وإلى أحفادهم القادمين من بعدهم.. من بعيد.

هل شبعوا؟!

كلا. إنهم ما يزالون يستمرئون الحرام ويستهزئون بالوطن وتاريخه وأمجاده وأجياله. بالتضحيات وبالتاريخ الذي لا ينسى.
هل استحوا؟!

أبداً. وبالطبع لا. إن الحياء من صفات المؤمنين الصابرين وهذا زمان يموت فيه المؤمنون ويطغى اللؤم والخُلق اللئيم. يطغى التافهون اللصوص بلا حياء.
هل استيقظ ضميرهم؟

أيضا. لا. فلا ضمير لهم. إنهم هكذا مخلوقات تسير على الأرض وكفى. دون مثل أعلى. دون قيم . دون شرف وكرامة. مخلوقات تملأ أمعاءها بالحرام ولا تشبع. وتتركه يسير في المجارير. وتغفل عن التاريخ والوطن.

.. ومع ذلك تبرز إشراقة، بل إشراقات في وجه السواد وكل شيء قاحل وكالح. تنهض دروس من الماضي القريب. ولكنهم لا يعرفون هذا التاريخ ولا يريدون معرفته ولا يتعظون بالماضي والاستفادة منه. إنهم لا يفهمون التاريخ على الإطلاق ويولونه أدبارهم وأقفيتهم.

.. ومع ذلك للأوطان شموخ كشموخ الجبال الراسيات في الأخضر والغربي ولأجيال الأوطان أمجاد تنهض رغم الانكسارات والإحباطات من خلال الغيوم السوداء.

وهنا تشمخ الكلمات أيضا في وجه القبح والزيف. هنا يظل للشاعر المجيد أن يهتف بأغانيه ولا يستطيع أحد كسر صوته أو تغييبه. ينهض الشاعر بالهتاف.. يعلم أبناء الوطن أغنية بسيطة لكنها رائعة وجميلة.. تحمل تربية وطنية وقيمة عالية تتضاءل وتنهار أمامها الوجوه الصفيقة. أغنية تنجح حين تفشل الخطب والتصريحات والوعود والبيانات والأكاذيب. هي تربية للغد وقيمة للتاريخ وتمسك بالوطن وانتماء إليه وصنع لمستقبله الرحب.

هذا محمد الطاهر شقليلة أو (ابن الطاهر) كما تحلو التسمية يقدم في شموخ من بعيد.. من الستينيات الماضية وهو المعلم المربي والشخصية صاحبة التجربة والعطاء.. ها هو يخاطب طفل ليبيا القادم الذي يحلم به من بين الوجوه الكالحة.. يقول له في صفاء:
( خوذ لعبتك واقعد احداي ألعبها ...... لعبك أوليدي للعيون طربها)
ـ
(لعبك ايزهي روحي ..... وحسك برالي م الحياة جروحي)
(أنت أمل وطنك ولدي بروحي ..... ترا قول أوليدي ليبيا واكتبها)
( كلامك وحركاتك لقلبي توحي ..... اعمال باهية تعمل صعيب طلبها)
ـ
(بتكون لهلك نافع ..... ولراس وطنك باعمالك رافع)
(لسانك وقلمك للبلاد مدافع ..... اتنشن على قلوب العدى تضربها)
(الحق تنصره وديما عليه مدافع ..... وشهرة كبيرة في الوطن تكسبها)
ـ

وصايا أب لابنه مثل لقمان الحكيم. لطفل ليبيا القادم وسط الركام. مصداقية وبساطة دون تكلف أو تصنع. الوطنية البسيطة في الأغنية. تغرس الانتماء وحب ليبيا دون تعصب لأحد او مغالاة أو انحياز لجهة أو تيار أو حزب أو قبيلة أو مجلس أو أصحاب مناصب. انحياز للوطن وفقط بكل إعزاز وحنو:

(ترا قول أوليدي ليبيا واكتبها). جمال في الكلمة والتعبير والخطاب والصورة. إنه التصوير الناطق الذي يغني بالكلمات ويرسمها على جبين الوطن. إنها روعة الشاعر والشعر والدقة والوصف التي يسقط أمامها المديح والنفاق والصوت الكريه.

وحين تغيب عنا مثل هذه الأغاني والكلمات التي ترجح كفة ميزان الوطن وتُعلي من قيم الحق والفضيلة في الزمن المشوه.. ينعدم الذوق ويموت الإحساس ومعه أشياء نبيلة تغيب و تموت.

أغنية ترددت وعاشت فوق الشفاه أيام كانت الشفاه تحس وتتذوق وتلامس الأشياء مباشرة. كان ذلك عام 1964. ابن الطاهر وكلماته ومحمد الدهماني ولحنه ونعمة التونسية وصوتها الموحي بالعديد من الأشواق والعاطفة.. (ترا قول أوليدي ليبيا واكتبها).

والإبداع والتصوير الفني لدى هذا الشاعر الذي تغفل عنه الأجيال وعن أمثاله من الرائعين وسط زحام الوجوه الكالحة الذي لا يتوقف.. تجري السواقي عبر الكلمات.

عناق للأرض وعطرها وأنفاسها عندما يتنفس الصبح الجميل في ليبيا العفية. وتشرق الشمس وتجري السواقي. صورة الجريان مثل صورة الطفل وكتابته لليبيا.

يخط حروفه الأولى بكلمة ليبيا. يدشن حياته بالانتماء إلى ليبيا. تقول الأغنية التي نفتقد إلى مثلها هذه الأيام التي يعم فيها الانحطاط والجهل في كل صوره:
(جرت السواقي للشجر وسقاته ..... هب الهوا يغني على رقصاته)

(التفاح ورا خدوده ..... ونحى الغطا الرمان بانوا انهوده)

(ونحى العنب ورقه على عنقوده ..... وجادت النخلة بالرطب ورماته)

(زينات جت بتملا ..... الخوخ والمشماش شنت حمله)
تبسم الورد ضحك من ها العمله ..... جاته اصباع مخضبه قطعاته)

وتستمر الأغنية والإيقاع على لحن طرابلسي قديم وعتيق وأداء جميل لسلام قدري.

كلمات تجري فيها السواقي ويجري فيها الوطن. الذي يلوح جميلا عبر هذه المعاني رغم كل الوجوه الكالحة التي نراها.. و (ترا اوليدي قول ليبيا واكتبها).
من يكتب ليبيا؟