Atwasat

جدل العوكلي والككلي: الموضوعية في منظور الواقع

عبد الكافي المغربي الخميس 23 يونيو 2022, 10:11 صباحا
عبد الكافي المغربي

تناول الكاتب سالم العوكلي في مقال مهم القيمة السيميوتيكية لاستعادة الثورة الليبية في 2011 لرمزيات الحقبة الملكية وإن طالها تدخل تحريفي يرمز في نظري إلى بدايات سلب القرار الثوري من الحشود المُسَيَّرة. وقدر لمناسبة المقال أن تنحرف إلى تناول "موضوعي" لعثرات سالم العوكلي في مقاله من جانب الكاتب عمر أبو القاسم الككلي.

إن مبدأ مقالي هو مخالفة لموقف الأستاذ الككلي، هدفه إثراء هذا الجدال وإضافة الزخم الخليق بخطورة شأنه.

إن أخطر التهديدات للموضوعية بصفة عامة، وبصفة خاصة في العلوم، والصادرة عن التفكيكيين الفرنسيين، إنما وصفت بدقة في الجرائد الأمريكية المحافِظة باعتبارها تمثل "نهاية الحضارة الغربية ومبادئها وقيمها." وإذ يقصر فهمنا في فلسفة العلوم، فإننا ننأى بهذا المقال عن التقسيم الكانتي والمثالية الألمانية من بعده للموضوعي والذاتي من صور خبراتنا وطبيعة تخيلاتنا وأحكامنا، جمالية كانت أم أخلاقية، ونلتفت إلى التفكيكية الفرنسية وما أفضت إليه من "فضائح" فلسفية، في إطار ما يمكن أن تمد لنا من عون في تفكيك انشغال المثقف العربي المزمن بالموضوعية.

إن إحكام الفرد العادي، ودع عنك الكاتب الذي يتعامل مع مواد معقدة، لقبضته على ما يقصد أضحى من أسباب القلق المزمن في عصر ما بعد فرويد، حيث يمكن للهفوات اللفظية والسقطات "الذاتوية" أن تقتحم مقصود الفرد رغما عن إرادته لإيصال معنى نقي غير ملوث بذاتيته وذاتية المخاطب. وفيما يبقى الككلي كآخر ممثل بارز لفكر المثقفين اليساريين في ليبيا، يجد آخرون لم يتخلوا عن يساريتهم، وإن انحرفوا بها قليلا نحو ليبرالية محافظة، الموضوعية فيما يشكل حلا معقولا لـ «لا منطقية» وـ «فوضوية وغوغائية»

وفساد الموقف الوطني الراهن في ما يجده الككلي انحرافا ذاتويًا. وعلى هذا الأساس، ولأنه قد قدر لنا والمتهم إحباطنا المزمن وعقدة نقصنا الخطيرة أن نستعين بأمثلة النجاح الغربي لإسباغ الموضوعية على مواقفنا الفكرية، كتب فرج عبد السلام الترهوني وقبل أكثر من عشر سنوات، أي في فجر الثورة الليبية، مقالا بعنوان "في مديح الملكية" سرعان ما أتبعه بسلسلة مقالات عبرت عن رغبته "الشخصية" في استدراك ما استشرفه من أزمات، تناول في بعضها ندمه "الليبرالي" على تأييد انقلاب سبتمبر، وفي أخرى ضرب مثال استعادة بوربون الإسبانية بعد وفاة الجنرال القومي فرانكو وما أفضت إليه استعادة الملكية من تحول ديمقراطي وازدهار اقتصادي غير مسبوق في البلد الأوروبي الفقير.

احتج الككلي على العوكلي لوصفه للطبيعة الفريدة للتيارات التي ناهضت النظام الملكي الكلاسيكي في ليبيا "بالهيجان والضجيج"، ورفض موقف العوكلي العدواني إزاء ادعاءات أحمد سعيد وصوت العرب التي سارعت بإسقاط الحكم الملكي في حقبة كانت تدفع بشغف الشباب العربي المثقف "بالسرديات الكبرى" والكفاح "الأممي" إلى صفر الخمول بقسوة وعنف إزاء إحباطات السبعينيات. وأخيرا ألمح الككلي بشكل ضمني إلى عدم معقولية التفكير في استعادة الملكية الليبية لأن برقة التي ترتهن الآن بمشروع مغاير لن تتمسك بالسنوسيين، في حين أن الإقليم الطرابلسي في أحسن الأحوال غير مبال بالسنوسية ولا يمكن أن يوجه ويدير مشروع الملكية في ليبيا.

لكن في نظري الأستاذ عمر الككلي إنما اتخذ منظورا "شخصيا" للمسألة، وإن يكن على نحو أكثر إنصافا من احتجاج إدريس المسماري الحاد على ترويج ضيف برنامج إذاعي لاستعادة الملكية في ليبيا.

أولا، يطالب الككلي بحركة قومية مناهضة للهيمنة الغربية، خالصة للعقل مطهرة من الصخب، غير غوغائية وصاحبة مشروع تنموي. بيد أنه وكما رأى Jacque Derrida بعد أن أفرد فصلا كاملا لمفهوم Antonin Artaud عن المسرح السياسي النموذجي يحق لي أن أتصرف باحتجاجه على Artaud فأقول: "لم نسمع بقومية تلبي هذه التطلعات المفهومة تماما." فإذا طرحنا الفاشية العربية التي دمرت المنطقة انطلاقا من مشروع عبد الناصر الغوغائي جانبا، يصعب أن نرى في القوميات الأوروبية نزعة اعتدال أو اتزان، ذلك أنه من طبيعة القومية بصفتها أيديولوجية تعبوية أن تناشد العواطف وتستبد على التردد العقلاني للحركات الإصلاحية. في الاتحاد السوفياتي ماتت شعارات الثورة الأممية بوفاة لينين ورافق صعود نظام ستالين التسلطي قومية روسية يستنكف من استدعائها القيصر. وفي الولايات المتحدة كانت قومية زائفة تقف وراء تصفية السكان الأصليين، وشنق الزنوج في الجنوب في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وأخيرا وراء برنامج ترامب "المجنون" على رأي أساتذتي الأمريكيين المغرقين في مزاعمهم العقلانية.

إن حكم الككلي الضمني على الحكومات السابقة لصعود الفاشية العربية يعاجل بعد سحق دبابات عبد الناصر للقاعدة الليبرالية للنضال الوطني الذي حقق مكاسب تاريخية بضربة القضاء التام: إن دور مصطفى النحاس باشا التاريخي في تهذيب النظام الملكي المصري ومناكفة الاحتلال الإنجليزي يصرف النظر عنه تماما، كذلك جهود هاشم الأتاسي ومن حققوا الاستقلال لسورية تعد باطلة باعتبارها لا تندرج تحت لواء سردية قومية كبرى، وإنما كافحت لحفظ هويتها الوطنية الخاصة.

أشرت في مقال «نفق المثقف» إلى أن المثقف يمكن أن يُضل مواطنيه بقصد أو بغير قصد. لقد كان الصادق النيهوم نشطا في مهاجمة النظام الملكي، ولربما كانت من أسباب سقوط الملكية الليبية السلس برغم تحالفاتها القبلية هشاشة نظامها الرقابي للمطبوعات، في مقابل رقابة الإرهاب التي لا تزال تمارسها الفاشية العربية إلى اليوم. كما أن سقوط قتيلين في تظاهرة تخللتها أعمال شغب كان ينبغي ألا يذكر حتى ليبدو كاتبنا يعدد مساويء النظام الملكي، فهو بذلك يبيض وجهه إزاء تراجيديا الأمة السورية وأزمة العراق الممتدة وعثرة حظ الأمة الليبية.

كذلك صرف مثقفو جيل الككلي نظرهم، في شبابهم على الأقل، أو لربما جهلوا أيضا، أنهم يطالبون بقفزة تاريخية طموحة مما تصوروه عهدا إقطاعيا على مثال فرنسا بوربون، إلى الجمهورية الخامسة، في نفي لخصوصية العالم العربي، هشاشة أنظمته السياسية المؤلفة بعد قرون من الاستعمار، غياب أسر مالكة عريقة في ممارسة الحكم، وتعثر طبقة برجوازية في طور جنيني لم تسمح لها حربان عالميتان وتصفيات عسكرية ممارسة تأثيرها الثقافي المرغوب على الأقل في الطور الأول من التحول الديمقراطي. كذلك فإن احتجاج الككلي على "عدم براءة" المملكة الليبية من الفساد لا يصلح في عصر ما بعد ماركس، حيث تتحطم السرديات الكبرى للتغيير الثوري بطرقات وحي ماركس وإنجلز عن تغلغل الأيديولوجيا البرجوازية العميق في المنظومة الثقافية للمجتمعات الغربية، هادفة إلى طمس آثار ممارستها للعنف في إسقاط خصومها وفي المراكمة الأولية للبروليتاريا لتغدو جاهزة لقبول أي عرض عمل. الديمقراطية الغربية ليست أبدا أنقى نظام حكم، فالإنسان أضعف وأقل نزاهة من أن ينشيء اليوتوبيا، وتظاهرات الطلبة والأساتذة الجامعيين اليساريين في باريس ولندن عام 1968 قوبلت بعنف منافس لعنف رجال شرطة بسطاء خدموا الحكومة الليبية إذ ذاك.

ويصر الأستاذ الككلي الذي لم يشكك في حسن نية الفاشية العربية ضد إسرائيل والمعسكر الغربي في مقال نشر قبل سنوات، على صرف النظر عن الموضوعية المحتملة في الاحتجاج بجملة الملك عبد الله بن عبد العزيز في القمة العربية، بصفته ملكا ينتمي إلى أسرة تقادم عليها العهد في السلطة وعملت بمباركة إنجليزية على تصفية الوجود الهاشمي في الحجاز، "أنت مين جابك للحكم، مين جابك، قللي بالله". وأخشى أن يطول انتظار الككلي لتأكيد الاستخبارات الأمريكية مزاعم بروبغاندا عبد الناصر المذنبة، كما سيطول انتظاري لتأكيدها لهندستها انقلاب سبتمبر برغم أنوف الإنجليز.

تبرر المدرسة التفكيكية، في الوقت نفسه الذي تحبط فيه، تخمينات الناقد التفكيكي وبوارق فكره، إزاء النبرة الاتهامية للماركسية الكلاسيكية والماركسية الغربية الجديدة، والاعتقاد الراسخ للليبرالية والأيديولوجيا المحافِظة، بأنها تدرك تعقيدات الواقع السياسي وتقلباته، وتتهيأ لقبول أو حتى ترويج نهايات مفتوحة، ما يولد قلقا معرفيا جانبه الإيجابي أعمق وأعظم فائدة لنمو الوعي الإنساني.

وإذاً، يتراءى لي أن الككلي في تعقيبه على عودة رمزيات الحقبة الملكية، قابضا بقوة على دلالة انطلاق الثورة من برقة، يوحي بأن عودة الملكية في ليبيا إذا كان لها أن تعود، لا بد أن تستند إلى مشاعر "دينية" كانت قوتها التعبوية قد تراجعت منذ أن قرر الملك إدريس الأول إقامة نظام علماني لا يستخلص وحيه وتفسيره من شخصية الملك كشيخ للطريقة السنوسية، إنما كزعيم وطني. في هذه الصورة لا يجدر بالطرح المتزن أن يتوقع من طرابلس قيادة مشروع إعادة الحكم الملكي، لأن الإقليم لا يعترف بقداسة أو حتى استثنائية الملك الراحل. ولأنه كُتِب علينا أن نعود إلى المثال الإسباني حتى نتمسك بقبس حزين من موضوعية، يجدر أن نشير إلى أن إقليم قشتالة، مركز الملكية الإسبانية ومنبعها التاريخي، لم يكن متحمسا لخوان كارلوس بوربون بقدر أندلوسيا مثلا، في حين أن كتالونيا معقل الفوضويين، ونافار المتمسك بقوميته الفريدة، كانا معارضين لاستعادة الملكية في البلد الذي كان مهددا بالتقسيم بين شمال أغنى ثقافة، وجنوب تقليدي مفتقر متدين.

أتفهم إيمان الككلي بموقفه القومي وثباته على مبادئه وقيمه المناهضة للملوك، ولكن أشارك غيره من المثقفين تشاؤميتهم إزاء تغييب الحكومات الفاشية العربية لعقول الشبيبة بالهلوسات بأنواعها من مخدرات وشعارات عدوانية تطهيرية هدامة، وصناديق زواج لشباب فقراء لا يملكون إعالة أولادهم، وبرلمانات شباب لم نسمع بسابقتها في العالم، وخرافة تشرف عليها أجهزة إرهابية برعاية الدولة، مصطدمين بواقع أليم يصف فيه أستاذ جامعي مناهج فرويد ويونغ بكونها "حرام في الإسلام" ومعلمة مدرسة إعدادية تعرف الماهوغني بأنه فاكهة تؤكل، أرجو أن يطيب لها مذاقها.

إن المملكة الأردنية الهاشمية قدمت أنموذجا للمثقفين الليبيين على جيش منظم يضحي بجنوده في الحرب على المخدرات الواردة من سورية الفاشية، وجامعة تتقدم الأمريكية في القاهرة في التصنيفات الدولية بجهود عربية خالصة. إن هذا الواقع المحزن لا يمكن أن نتجاوزه بموقف يمكن أن نصفه بالموضوعي إذ نطالب بديمقراطية تمثيلية جمهورية كاملة على النمط الغربي الناقص أصلا، ونحن نواجه هذه التحديات الثقافية والمعرفية الخطيرة، وإن كانت مطالب الككلي قابلة للتطبيق لكان أحرى بتونس ذات التجربة الثقافية المميزة، ودع عنك العراق، أن تطور ديمقراطية نزيهة تثبت لزوابع الأزمات. إن هذا الموقف يختلف بدرجة العمق فقط عن عبث Dan Brown الذي قرر في واحدة من مغامراته الروائية الناجحة أن ولي عهد إسبانيا سيتجه إلى إلغاء الملكية لأن النموذج الأمريكي يلهِمُه.

بشيء من غضب ماركسي، وكثير من قلق ديريدي، وبعض قناعة برقاوية، وبكل نزعة علمانية حامية، أطالب أساتذتي، ورفاقي القلائل من شباب مثقف انتشال بلدهم من أتون الحرب وبحر الجهل المصطخب بإبداء التزام أمام وعي أمتهم المغيب بقيادة التحول، الذي نريده معرفيا ثقافيا مقاربا لذلك الذي قاده مؤسس الأمة الليبية، إدريس الأول، باسترجاع ملكية نزيهة تستثمر مقدرات البلد وأرصدتها المهددة، في التعليم وبناء الأفراد أولا وقبل كل شيء.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات