Atwasat

حقيقة الأمازونات

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 19 يونيو 2022, 11:00 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

تظل كثير من مرويات التاريخ (= حكاياته) ملفوفة بالغموض. فإما يُطعن في واقعيتها ومصدااقيتها، وإما تثار شكوك وتساؤلات وتخمينات حول بعض جوانبها وأزمنة وأمكنة حدوثها.

من هذه "المرويات" مروية "جيش النساء" أو "النساء المحاربات" المعروفات باسم "الأمازونات". ويُنسب أول ذكر لهن إلى هوميروس (ق 8 ق. م) الذي أتى على ذكرهن في "الإلياذة" حيث حاربن مع الطرواديين ضد الإغريق.

لكن لعل أبرز وأوسع حديث عنهن في مصادر التاريخ القديم هو حديث هيرودوتوس (ق 5 ق. م) عنهن في كتابه "التواريخ".

إذ يذكر* في موقع من الكتاب الرابع في مؤلفه هذا أن الإغريق تحاربوا مع الأمازونات. ويذكر أن السكيثيين يسمونهن "إيورباتا [...] ويمكن أن يعني هذا الاسم في اللغة الإغريقية قتلة الرجال". وهو لا يشير إلى من أين جاءت "قتلة الرجال" هؤلاء، ويمضي إلى القول أن الإغريق بعد أن هزموا جيش النساء هذا في موقعة "ثيرمودون أبحروا في ثلاثة مراكب بعد أن قادوا معهم جميع اللاتي استطاعوا أسرهن أحياء من الأمازونات".

إلا أن الأمازونات هاجمن الرجال أثناء ما كانت هذه السفن في عرض البحر وقتلنهم. وبما أنهن لا يمتلكن خبرة من أي نوع في تدبير شؤون السفن والملاحة فقد فوضن مصيرههن لما تفعله الرياح والأمواج "فوصلن إلى كريمني [...] في بحيرة مايوتيس [...]" التي هي "من أرض السكيثيين الأحرار، وهناك نزلت الأمازونات من المراكب وسرن في المعمورة وبمجرد أن وجدن قطيع خيل اختطفن الجياد ثم ركبن هذه الجياد وشرعن في نهب أملاك السكيثيين".

في البداية، يمضي هيرودوتوس، أربك السكيثيين أمر هذه القوة المقاتلة مجهولة اللغة والملابس والمصدر واعتقدوا أنهم كانوا في مواجهة جيش من الرجال المتقاربين في العمر. لكنهم اكتشفوا، من خلال الجثث التي توزعت في ميدان المعركة، أنهم كانوا يقاتلون نساء. فيرسمون خطة تألفهن (لا داعي لذكرها هنا) وتنجح هذه الخطة وتسفر عن زواج شباب السكيثيين منهن.

إلا أن الأمازونات قلن لأزواجهن هؤلاء "نحن لا يمكننا أن نعيش مع زوجاتكم، لأن عاداتنا ليست عادات أولئك [...] إذ إننا نرمي القوس ونقذف الرمح ونركب الخيل ولم نتعلم أعمال النساء"، وطلبن منهم أن يأخذوا نصيبهم من ثروة آبائهم ثم يذهبون معا للسكنى وراء نهر تاناييس. (ص 311- 313).

الملاحظ أن هيرودوتوس لم يشر هنا إلى مسألة استئصال الثدي الأيمن التي ارتبطت بهن.

بقيت قضية الوجود الواقعي للأمازونات معلقة إلى أن ابانت بعض المكتشفات الأثرية الحديثة** عن بعض المعطيات التي تمنح وجها من وجوه مصداقية وجودهن التاريخي. إذ اكتشفت، في تسعينيات القرن الماضي، هياكل عظمية أثرية لنساء دفنَّ مع المحاربين في شمال وشرق البحر الأبيض المتوسط، وقد احتوت بعض هذه الهياكل على آثار طعن بأسهم وكنَّ مدفونات مع أسلحة مماثلة لتلك التي ذُكر ان الأمازونات كن يستخدمنها.

وكشفت التنقيبات الآثارية الحديثة عن أن ظاهرة النساء المقاتلات وجدت في عديد الحضارات القديمة في روما ومصر وشمال إفريقيا وبلاد فارس والمنطقة العربية وبلاد ما بين النهرين ووسط آسيا والهند والصين وفيتنام وجزر الفايكنغ وإفريقيا والأمريكتين. وليس ثمة إجماع حول أصل الاسم، إذ يُرَجع به إلى جذور إيرانية أو قوقازية أو أمازيغية.

* تاريخ هيرودوتوس. ترجمه عن الإغريقية الأستاذ الدكتور محمد المبروك الدويب. وزارة الثقافة والتنمية المعرفية (د. م) (د. ت).
** استقينا هذه المعلومات من مواقع على النت لم نر داعيا إلى الإحالة إليها.

 

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات