Atwasat

عودةُ طيور السُنونُو

جمعة بوكليب الأربعاء 15 يونيو 2022, 10:56 صباحا
جمعة بوكليب

يقولُ الفيلسوف اليوناني أرسطو: "سُنونوةٌ واحدةٌ لا تصنع صيفاً". أرسطو لم يكن، في حقيقة الأمر، يتحدث عن الصيف وطيور السُنونو، وإن كان أبدى إعجابه بها، وتحدث على مهارتها في بناء بيوتها من الطين، وحرصها على تعليم فراخها النظافة. لكنّه كان، في ذلك السياق، يقصد شيئاً آخر، وهو كيف يمكن للإنسان بناء حياة ناجحة، وبهدف السعي للوصول إلى السعادة. وهو أمر، يقول أرسطو، لا يتحقق إلا بالعيش في مجتمع فاضل. ورغم أن طيور السُنونو يمكنها بناء أعشاشها بمهارة والاعتناء بأفراخها، لكنها لا تستطيع، مثل الإنسان، التفكير في المناشط العقلانية. فالإنسان، وفقا لأرسطو، يتصرف وفقا لمنظومة مركبة من العقل والمشاعر والعواطف. وهو في حاجة إلى كثير من حسن الحظ أيضاً، لكي يتحصل على تعليم جيد، ويحظى بمستوى حياتي لائق مادياً، كي يتمكن من العيش سعيداً.

السلوك الفاضل في رأيه لا يكون بالكلام، بل بالفعل. بمعنى إذا اعتقد إمرؤ أنه فاضل، فعليه أن يثبت ذلك سلوكياً، بابتعاده عن الرذائل، وكل ما من شأنه أن يحول بينه وبين الفضيلة. وقوله إن سنونوةً واحدة لا تصنع صيفاً تعني، في ذلك السياق، إن امتلاك المرء لفضيلة واحدة لا تصنع منه إنساناً فاضلاً سعيداً. ولتلك الغاية، يحب أن يكون فاضلاً بشكل كامل، أي بامتلاك كل الفضائل.

وما دعاني للخوض في هذا الموضوع ليس عودة طيور السُنونو وارتباط ظهورها في سماء لندن بفصل الصيف، عابرة مسافة 6 آلاف ميلٍ قادمة من أفريقيا. بل هدفي تحوير المقولة الأرسطية وتغيير اتجاهها إلى مسألة أخرى. وباختصار مفيد، إذا كانت سنونوة واحدة لا تصنع صيفاً، فإن هزيمة عسكرية واحدة تصنع ذاكرة مؤلمة ومحزنة جداً. وإذا كان أرسطو ربط ظهور السنونو بالصيف، فأنا أربط قدوم شهر يونيو- حزيران من كل عام بهزيمة العرب، عسكرياً وسياسياً وفكرياً، أمام العدو الصهيوني في حرب الأيام الستة عام 1967.

حين حدثت الحرب فجر يوم الاثنين 5 يونيو- حزيران 1967، كنت تلميذاً بالمرحلة الإعدادية، وعشتُ أيامها الستة، محلقاً في أبراج الفرح والبهجة في اليومين أو الثلاثة الأوائل، ثم ساقطاً من علو شاهق على صلابة أرض الواقع. ولم أكن وحدي في الحالتين. كنت ضمن 100 مليون عربي، كانوا آنذاك متأهبين لاستعادة فلسطين. ولم يكن واحد منهم يتوقع، أنه بعد ستة أيام فقط، ستلحق بفلسطين كل شبه جزيرة سيناء في مصر، وهضبة الجولان في سوريا، والضفة الغربية في الأردن، وتصبح أراضيَ محتلة.

في اليوم الأول للحرب، خرجت المظاهرات في مدينة طرابلس. ورأيت بأم عينيّ أناساً كباراً في السن من المشاركين يهتفون بعودة فلسطين، ويبكون فرحاً. كانت المظاهرات تجوب الشوارع ومحروسة من قبل رجال الشرطة. الهتافات تنطلق من الحناجر. والأيادي تصفق للخطباء الذين اعتلوا الأعناق، مؤكدين للجماهير تحقق الحلم باستعادة فلسطين، وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم.

كانت مظاهرات سلمية جداً، ومليئة بالحماس. لكن المظاهرات التي خرجت بعد إعلان الهزيمة كانت مختلفة. كنت أرى الغضب ناراً مؤججة في العيون، وكنت أشاهد المتظاهرين يقتحمون متاجر اليهود ومساكنهم بالتخريب والحرق. الفرح والبهجة تحوّلا إلى مشاعر مهانة ومذلة. والنصر المرتقب انقلب هزيمة مُرّة. وأعلنت الحكومة فرض حظر التجول، ونزلت القوة المتحركة إلى الشوارع لفضّ المظاهرات وحماية الأرواح. وخيّمت على كل البلاد سحابة حزن من رصاص ثقيل، ولم يعد في الأرض متسعٌ للفرار من مواجهة الشعور بالعار والانكسار.

لذلك، في كل عام، عودة طيور السنونو للتحليق في سماء لندن لا تذكرني بحلول فصل الصيف، بل بحلول شهر يونيو- حزيران، وذلك الصبي الذي كنته، والمرارات التي استشعرها قلبه الطري، وهو يتذوق طعم أول وأمرّ هزيمة، لم تقو الأعوام على محوها من ذاكرته.