Atwasat

همسة تونسية - ليبية.

رافد علي الخميس 12 مايو 2022, 01:49 مساء
رافد علي

شهدت تونس الأسبوع الماضي حالة من التصعيد بين الرئيس قيس بن سعيد وحزب النهضة ضمن حالة الاحتقان السياسي بالمشهد التونسي الموصوم، كغيره بالمنطقة، بالاستقطاب السياسي الحاد، فالأنصار، من الطرفين، كانوا على موعدٍ للمواجهة العنيفة مما زاد من حالة التوتر.

حتى اللحظة يبدو الرئيس التونسي بن سعيد مصمماً على المضي قدماً لخلق مسرح سياسي تونسي مغاير تماماً لما عرفته تونس منذ عقود عديدة، رغم أنه يبقى متهماً، من قِبل العديدين، بأن الإجراءات التى يتخذها بالخصوص تصب فى مجال صنع دكتاتورية جديدة بالبلاد، فى حين أن حزب النهضة، المتزعم للبرلمان المُنحل بقرار رئاسي، لازال يناور لأجل بقائه ككتلة سياسية ذات حضور فى الشارع التونسي، خصوصاً بعد أن رفع الحزب عام 2016 شعار التخصص الوظيفي فى السياسة، وتخليه عن جذوره الدعوية. إلا أن تقارير صحفية، عربية وغربية، تتحدث عن رغبة السيد الغنوشي فى مغادرة البلاد، الأمر الذي يشير إلى أن الحرس القديم فى النهضة بات يحتل موقعاً اقوى في كواليس الحزب، بعد قرارات الغنوشى التي نجح في تمريرها عام 2018 بالانفتاح على تنوع التمثيل والعضوية بحزب النهضة من أطياف سيا-اجتماعية أخرى برغبته في توسيع القاعدة الانتخابية للحزب، مما أماط اللثام عن الانقسامات الداخلية بالحزب ذاته بين الأعضاء القدماء والأعضاء الجدد من محترفي السياسة. حزب النهضة بسبب براغماتيته الشديدة، منذ عام 2011 لازالت تُعد وضعيته السياسية إشكالاً حقيقياً، فتحالفاتها السياسية مع رجالات النظام السابق المنخرط العديد منهم فى الفساد والأخرى المنغمسة فى لوبيات الاقتصاد، والثالثة المتمسكة بمصالحها ورط النهضة أمام نفسها، وأمام الشارع الذي لم يلمح تحسناً ملحوظاً فى الشأن الداخلي، على صعيد سوق العمل والأجور وحالة الغلاء وتحقيق العدالة الاجتماعية، أحد أهم شعارات النهضة، التي عَد حزب النهضة نفسه لعقود مدافعاً عنها وممثلاً للمهمشين، بل إن أنصاره، بذات اللحظة، ظلوا ينتظرون بروز خارطة عمل حزبهم وفق إعلان 2016 للكشف عن المكانة التي ستمنح للإسلام فى مشروعهم الجديد نحو "الديمقراطية الإسلامية الحديثة"، وبالتالي الكشف عن سياسة النهضة لحل "مشكلة الهوية" تماشياً مع خطة الحزب في الخروج من دائرة عمل الإسلام السياسى، والتقدم نحو مراكز أحزاب الوسط على شاكلة الأحزاب الأوربية المحافظة.

ليبياً، سجل مؤخراً السيد عبد الحكيم بلحاج عودةً للعاصمة طرابلس، بعد غياب 5 سنوات في منفاه الاختياري، وقراءة مبسطة في بيانه عقب وصوله للبلاد يتبيّن أن الرجل مستعد لممارسة السياسة ضمن لقاءات وحوارات يعقدها مع أطياف المشهد الليبي الجامد منذ ديسمبر الماضي. لطالما كان السيد بلحاج حريصاً إعلامياً على إظهار نفسه بالسياسي المعاصر، معبراً عن تخليه عن العنف عقب فبراير 2011، وأن التمسك بـ "الخيار الديمقراطي كمسيرة سياسية بليبيا الجديدة" كانت من ضمن العناصر القوية التي طرحها بلحاج في لقائه مع الإعلام الفرنسي، مانحاً بذلك للمتتبع الفرنسي انطباعاً براغماتيكياً عن شخصيته كقائد لحزب الوطن بليبيا- المرشح جداً لأن يشارك بقوة في أول انتخابات رئاسية ستعقد بالبلاد.

تظل البراغماتية في الصف الإسلامي عبر التخلي عن المجال الدعوي والتفرغ للسياسة أمراً مثيراً جداً، لا على المستويين الإسلامي والعربي، بل تونسياً وليبياً على قدرٍ سواء.

فالنهضة كانت مستعدة دائماً لإبرام التسويات السياسية مع رموز الفساد بهدف ضمان موقعها في عملية ديمقراطية صعبة بسبب التحالفات الحكومية المفروضة، وضمن بيئة إقليمية غير مستقرة لأجل إثبات وجودها، ونيل اعتراف دولي متوجس منها، مما زاد من خيبة آمال الشارع التونسي الذى ظل يراقبها تبرم "الوفاق العفن" بحسب تعبير حمزة المؤدب بمركز كارنيغي للشرق الأوسط. براغماتية بلحاج ستظهر عبر جولة حوار فرقاء البلاد بالقاهرة الأسبوع القادم لخلق مخرج لمعضلة إجراء الانتخابات على أساس قانوني متفق عليه، فالسيد خالد المشري، القريب من بلحاج، أعرب عن نية المجلس الأعلى في التحاور مع وفد برلمان طبرق الذي لازال يحمل مشروعاً موازياً للانتخابات يتبنى حكومة باشاغا التي لازالت تناور داخلياً لإثبات وجودها ودولياً عبر التلويح للعالم بمشاريع ضخمة بليبيا. على الضفة الأخرى استراتيجية الانفتاح على مبدأ الحوار عند بلحاج تثير التساؤلات فهو لازال في حالة خصومة مع المشير حفتر وهناك مذكرة للقبض عليه صادرة بشرق البلاد. ستظهر الأيام القادمة حتماً ما هى رؤية بلحاج وحزبه بشأن حالة الجمود السياسي الحالي، ومدى قدرته على اختراقه كسياسي مُقرب جداً من الدوحة وأنقرة، وعلى علاقة طيبة بالغنوشي. وسنعرف أيضاً مدى نجاعة عودة بلحاج لطرابلس كورقة سياسية "يستخدمها الدبيبة" أمام غرمائه فى شرق البلاد، كرجل خَبِرَ الحرب كمقاتل، وعرف تكتيكاتها كقائد سابق لحركة مقاتلة، وبات يدرك جيداً أهمية التوافق واتقاء شرور الصدام الدامي كرجل أعمال يولي للاستقرار أولويته في عالم التجارة والأموال.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات