Atwasat

مأساة النيهوم (4)

سالم الكبتي الأربعاء 11 مايو 2022, 01:05 مساء
سالم الكبتي

(من زمان
شربت حسرة ذاك الصوت
حبات الرمال
مزجته في حناياها.. فأراه
بدويا خطت الصحراء.. لاجدوى خطاه)
تيسير سبول

.. وهناك أيضا شاهد الألمان واقترب منهم لكنه ظل في منطقة الوسط يراقب من بعيد رغم الاقتراب ويتابع ويحلل. تقوده نفس حائرة مضطرمة بالنار تبحث عن شيء ما. كان كما يفصح عن التجربة ذلك الوقت يريد أن يحدد نقطة الوقوف ونقطة الالتقاء عبر الدهشة والمفاجئة. لكن النيهوم فشل نتيجة للصدمة التي أحدثها وصوله لألمانيا منذ البداية. من سوق الحشيش مباشرة في بنغازي حيث المقاهي العتيقة والسباخ والأزقة المليئة بالغدران في موسم المطر وذكريات الفقي والأصدقاء.. إلى ميونخ ومعهد جوته حيث الضجيج الذي لا يهدأ وصخب الموسيقى وصراع الأحزاب وصفير القطارات وجيل ما بعد الحرب في أوروبا.. أوروبا الأخرى الحقيقية في الشوارع الخلفية من المدن والعواصم التي يموت فيها الإنسان موتا مفجعا.. تسحق فيها إنسانيته كل يوم وسط المباني الشاهقة. ألمانيا المرعبة لماذا كانت مرعبة ومخيفة له. لابد أن هناك سرا عميقا لم ينطق به تلك اللحظات إلا من خلال العودة بالذكريات إلى بنغازي. كل خطوة هناك تعود به خطوتين إلى بنغازي حيث كان المجتمع بسيطا ومتآلفا. مجتمع كله أخوة في مقابل (المجتمع الصلد والقاسي في ألمانيا).

وحدث وسط هذه الظروف أن التقى بعضا من الليبيين ليسوا من مدينته بنغازي يدرسون هناك في غير تخصصه موفدين من جهة غير الجامعة. صار التعارف باردا هناك. كان يود أن يشعر معهم بالأنس والألفة في الغربة مثلما هو الحال في ليبيا. لكنهم لم يقدروا موهبته التي عرفوها. كانوا يرونه مجرد (وليد من بنغازي) فقط لا يحمل موهبة. لاشيء مثل بدوي يفتقر إلى المعرفة والخبرة في تلك الأجواء. وكان من الطبيعي أن يحصل التصادم الليبي بينه وبينهم هناك خارج الوطن البعيد. صدمة أخرى إضافة إلى الغربة من أولي القربى وظلمهم أشد مضاضة من السلاح الشاكي.. وأين هناك على بعد آلاف الأميال عند الألمان الذين لا يحسون بمرارته. السخرية والتعامل السخيف تجاوز الحد. حاول ابتلاع الطعم عدة مرات. لكن الزملاء من أولئك الليبيين استهوتهم اللعبة. اضطر أن يحسم الموقف وينهي اللعب وكانت المواجهة. لم يعد هنا للصمت معنى. كانوا ثلاثة. وصفهم بأولاد الكلب جميعا نتيجة لمضايقتهم له منذ الشهر الأول. قدم لهم الحساب بدقة. ظلوا يقودونه كيفما شاءوا. وظل حزينا وضائعا ووحيدا كما يقول في إحدى رسائله القادمة من هناك.

وظلوا يستغلون الموقف بدناءة لا حد لها. قال أن أحدهم فكر أن يركب فوق ظهري لكي أعبر به الشارع ولم يفطن لشيء. أخذ الأمور بحسن نية. كان يلتصق بهم ويحاول أن يرى بلاده فيهم وكانوا هم ينظرون من الناحية الأخرى. اعتقدوا أنه مجرد (نعجة بائسة) ويتعالون عليه بشكل قاتل ويصدرون إليه الأوامر ويسخرون منه إذا حدثهم عن بلاده وأحزانه. واستمر الأمر أكثر من شهر وذات يوم أخطأ أحدهم التوقيت لأن النيهوم استعاد نفسه كاملة بعد أيام الحزن. قام له وضربه بحذائه وحده أمام زملائه الجبناء وأمام كثير من الألمان واعتبرها فضيحة لنا جميعا. لم يتمالك نفسه ولم يهدأ حتى رأى هذا الشخص يصنع له الشاي وعرفوا مقامهم تماما على حد قوله ولم تعد هناك أية مضايقة. إنهم يذهبون للرقص أكثر من أي شيء آخر بطريقة بائسة ويعتبرونه مجرد وليد وظل النيهوم يتقدم باطراد وسبقهم جميعا وعرفوا مكانته وموهبته جيدا. وأكد بأنه كان على حق كامل عندما ضرب ذلك (الشئ المنتن).

هذا هو الموقف الأول الذي صدمه في ألمانيا. إنها حساسية وكبرياء الفنان الحقيقي. ثم تعثرت الدراسة في ألمانيا لمواقف أخرى ظل فيها أكثر اعتدادا بنفسه. يرى بأنها كبيرة تصغر أمامها التوافه وصاحب تجربة يود أن يقدمها للأخرين وشعر بأن الدراسة الأكاديمية والمواقف المليئة بالمضايقات تقيده وتجعل ثمة أغلالا في رجليه. وانتهت تجربة ألمانيا المرعبة عام 1964. وبتنسيق مع إدارة الجامعة الليبية في بنغازي تغير الإيفاد هنا إلى جامعة القاهرة في التخصص نفسه (فقه اللغة). في القاهرة وجد نفسه في عالم آخر. يختلف عن ألمانيا وبنغازي. تخلف مريع في الأزقة الخلفية يسودها مثل كل المنطقة العربية رغم ضجيج الإعلام. صورة بائسة هدمت ما في تفكيره وما رسمه ذلك الضجيج القريب من ليبيا تلك الأيام. الواقع الاجتماعي والسياسي والعلمي في الجامعة.. شيء آخر. واكتشف أن ما يحدث في جامعة القاهرة هو انعكاس لما يحدث في المجتمع. الاتحاد الاشتراكي العربي ومنظمة الشباب الاشتراكي والتنظيم الطليعي لاحقا.. أدوات تمد مخالبها في الجامعة بشراسة. ليس ثمة بحوث علمية راقية. ليس ثمة كفاءات علمية حقيقية وكبيرة. بعضها في السجون.

بعضها أبعد عن الجامعة. بعضها هاجر. وظل أغلب أعضاء هيئة التدريس الموجودين يتحلقون حول السلطة وينافقونها. وشايات وتقارير وحروب خفية في المدرجات والقاعات. وحصول على الدرجات العلمية دون أي جهد أو مراعاة للقدرات العلمية المنزوية في البعيد. السياسة تدخلت وحبست الأنفاس. الأساتذة يعاملون المعيدين وكأنهم صبيان. يحملون حقائبهم. يتوددون إليهم بالهدايا ويحضرون لهم الأقمشة لكي يفصلوها بدلا. نقل الأخبار عن الزملاء. صدمة أخرى في الواقع العام وعرف النيهوم أنه (ما يمشيش معاه ومعاهم). شاهد وتجول وغاص في أعماق المجتمع المصري. صورة مماثلة لأحزان ومأسي المجتمع العربي. ناقش البسطاء والكبار وأدرك أن هذا البلد العظيم ستسقط معابده على من فيه.. من فوق إلى تحت. شعور بالحزن خلف ظلال الصورة.

وعرف أن الجامعة تفتقر مثل المجتمع إلى التطور في الفهم والإدراك والتغير. الجامعة والمجتمع لا فرق. وحدث موقف آخر. وكتب في إحدى رسائله الطويلة إلى خليفة الفاخري مؤرخة في 10يناير 1965: (أن ليبيا بلد مبني بالقش ويطفو فوق بحيرات البترول فما أسهل أن تندلع النار فيه. أن تحرقه من أساسه فلا يبقى منه سوى عظام الخنازير والنساء ولكن ذلك لن يحدث الآن لأننا لم نكتشف النار بعد.. نحن المساكين الموغلين في البدائية والعناد غير أن ذلك ليس كل شيء فالآخرون أيضا يعيشون في حقبة مساوية ويمارسون النوع نفسه من الحياة المرتبكة وهم لا يتفوقون علينا بأي حال ولكنهم يشعرون - بطريقة غامضة - أنهم بشر أحسن منا بكثير وهذا ما يحيرني إلى حد الشعور بالشلل..! قلت لأحدهم: هل تعتقد فعلا أنك أحسن مني مثلا. فقال بهدوء: لنقل أنك لا تمثل الليبيين تمام التمثيل لأن عدة فرص قد أتيحت لك ولكني أعرف أنني أحسن من كثير من الآخرين. وقلت له: أنت طالب بالجامعة ومن المفروض أن تجيب على معظم الأسئلة.. ما الذي يجعلك تعتقد أنك أفضل من الكثيرين منا؟). واستمرت المواجهة مثل الموقف الأول وانتهت بالشجار..

وكانت من أسباب تركه الدراسة العليا ووظيفته معيدا بالجامعة الليبية.
وماذا حدث أيضا بعد ذلك؟!

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات