Atwasat

فائدة الأزمات

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 08 مايو 2022, 10:27 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

صاحبت الأزمات الحضارات الإنسانية كافة منذ تشكلها، حتى ليمكن القول أن الأزمات مكون من مكونات الحضارة. فهناك أزمات اقتصادية وأزمات سياسية وأخرى اجتماعية وغيرها فكرية، وهناك أزمات أخلاقية، حتى. فقبل نشوء الاستقرار الزراعي، ثم إقامة المدن، وتاليا إقامة الدول، كانت التجمعات البشرية البدائية تعيش انسجاما اجتماعيا موحِّدا.

ويمكن تعريف الأزمة، ببساطة، بأنها وضع يتسم بالتعقيد والتأثيرات السلبية، يجد خلاله مجتمع ما نفسه فيه، بحيث تكون طرق تفادي آثاره وسبيل الخروج منه غير واضحة. والأزمات في المجتمع تتولد عندما تبدأ التشققات والتصدعات تطرأ على "بنية" مجتمع ما بعد مرحلة انسجام واستقرار أو، إن شئت، جمود.

والأزمات، على خلاف ما هو شائع عنها، ليست سوءا بتمامها. ذلك أنها من أهم العوامل المحفزة على التفكير والتجديد والتغيير، من خلال الاجتهاد في البحث عن الحلول والمنافذ. أحيانا يكون التغيير سلميا، ويكون أحيانا عنفيا ثوريا.

التفكير في الحلول للأزمات يشترط أن يكون هناك، على الأقل عند نسبة معتبرة من أفراد المجتمع المعني، وعي بوجود أزمة. فغياب هذا الوعي يعني انتفاء وجود أزمة، إذ لا أزمة في حالة سيادة الانسجام الاجتماعي.

عبء التفكير في الحلول المفضية إلى تغيير اجتماعي يقع على كاهل النخب الاجتماعية. ونحن نستخدم لفظة "النخب" بالجمع، وليس "النخبة" بالمفرد، لكون النخب في اي مجتمع تتعدد، وتتنوع، وينتج عن هذا التعدد والتنوع، بالضرورة، اختلاف مواقف كل نخبة منها من الأزمة القائمة وفقا لتوجهاتها الفكرية والسياسية المتصلة، بشكل واعٍ أو لا واعٍ، بمواقعها الاجتماعية- الطبقية. وكثيرا ما توجد داخل نخبة ما تباينات في رؤية أطرافها المكونة، إلا أنها لا تصل إلى نقطة الصراع.

وغالبا لا يعتمد التأييد الشعبي الواسع، أو المرجح، لمقترحات نخبة محددة بشأن الحلول الكفيلة بالخروج من الأزمة الماثلة، على قوة الحجج التي تسوقها هذه النخبة، في حد ذاتها، وإنما على استجابة هذه المقترحات لتطلعات قطاع اجتماعي، أو شعبي، ما وتلبيتها لمصالح تشكيلة هذا القطاع.

* هذا المقال مستلهم من محاضرة للدكتور فؤاد زكريا حول "أزمة العقل العربي".

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات