Atwasat

ليبيا ونظرية الألعاب

رافد علي الخميس 05 مايو 2022, 11:26 صباحا
رافد علي

لازالت الأزمة الليبية عالقة رغم أن ساسة البلاد والأطراف الدولية المنخرطة فيها انتهزت فرصة حلول عيد الفطر لنشر آمال كسر الجمود السياسي القائم لدغدغة النفوس المكابدة لحالة الاحتقان منذ تأجيل الانتخابات في ديسمبر الماضي.

الصراع الليبي حتى الآن لازالت إدارته داخلياً ودولياً تجول فى مباراة صفرية Zero sum game، فالحلحلة لازالت متعثرة بسبب أن خلافات الأطراف المتنازعة تظل مبنية على قناعات مفادها أن كلا منهم صاحب الشأن والمخول الأولى بحوز السلطة والموارد الليبية، أكثر من أي قناعات أخرى تسعى لطي صفحة مليئة بالدم والفساد والبؤس والانهيارات المتوالية لبلد يتلاعب بمصيره، وأصبح يشار إليه كبؤرة للقلق وخلق القلاقل.

السيد باشاغا استبق العيد بإعلانه عن مبادرة سياسية لحوار ليبي-ليبي تقوده حكومته، في محاولة منه لنيل اعتراف سياسي من الطرف الآخر ضمن حالة الاستقطاب السياسي الحاد المعاش اليوم، متناسياً ان حكومته قد فرضت نفسها على الواقع الليبي بدون أي حالة حوار مع حكومة السيد الدبيبة، المتهم بأنه ممن ماطل في إجراء استحقاق ديسمبر الماضي، الأمر الذي أزم الواقع السياسي فى ليبيا بعد انفراجات جزئية في تفاصيل أزمة البلاد والصراع الدائر فيها. لقد كان من الأفضل لباشاغا أن يستمر، كمنافس للدبيبة، في لعب دور المعارض السياسي ضمن لعبة سياسية مفتوحة تضغط على حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس لأجل إبرام الانتخابات، بدل أن يوقعنا جميعاً فى كماشة ازدواجية الحكومات التي تمارس فيما بينها لعبة ما يعرف في علم السياسة بلعبة الدجاجة، التى مفادها أن يفضل فيها الخصوم عدم تقديم تنازلات للطرف المقابل تجنباً لأن يوصف بالطرف الخاسر او الأضعف. على السيدين، الدبيبة وباشاغا، وأنصارهما، إدراك أن الاستمرار في لعبة الدجاجة أمر يؤدي لنتيجة خاسرة لأنهما يبقيان في موقف غامض -جمود-، وأن استمرار المنافسة بشكلها الجامد هذا سياسياً يفقدهما سمعتهما السياسة ومكانتهما كقادة أو ساسة، وهو ما يعرف بحالة الموت السياسي.

لا شك في أن الدعوة للجلوس وللحوار خطوة طيبة، وتعبر عن حسن نوايا من حيث المبدأ، إلا أن الواقع المعاش أن الناس ملت من جل هذه الحوارات بسبب عدم نجاعة فعلية فيها، كما عايشنا ذلك على مدى عمر الأزمة الليبية وكل الحوارات المعقودة لها بين أقطاب المشهد، فالحوارات السابقة كانت دائما شاقة ومعقدة وكأنها كانت حوار طرشان، وذلك مرده إلى حقيقة أن الانتماءات الفرعية في القضية الليبية تأتي على حساب الوطن وقيام الدولة، لأن المحاصصة في السلطة والموارد هي جوهر المطالب، لا الإرادة الحقيقية في العبور بالبلاد لبر الأمان بشكل جذري وعاجل ضمن تنازلات حقيقية ومؤلمة أيضاً لا طراف النزاع، بما يشعر المرء العادي بمدى التضحية لأجل وطن لازلنا نعيشه كشعار سياسي بحت في خطابات الساسة.

لقد باتت شريحة واسعة من الناس في ليبيا تدرك أن الانتخابات قد أضحت مطلباً حقيقياً لفتح صفحة جديدة بالبلاد، تضع أرباب المشهد الليبي في ساحة سياسية مختلفة، عمادها أعمار سياسية جديدة لمؤسساتنا، تبرز فيها وجوه أخرى، وكفاءات مختلفة، وربما حنكة سياسية من نوع آخر قادرة على استقطاب القلوب والعقول في الشارع الليبي المنهك والمشتت لأجل بناء وطن للجميع لن يقوم إلا بأن يمتلك ساسته الشجاعة على تقديم تنازلات جذرية لأجله. لعبة الدجاجة المذكورة أعلاه، ليست نظرية اعتباطية من عند العبد لله، ولكنها واحدة من نظريات الألعاب " Game Theory"* التي توظفها علوم مختلفة منها العلوم السياسية، وهناك العديد من الدراسات والأبحاث بخصوصها. من إحدى النظريات الشائعة في علوم السياسة أيضاً نظرية محنة السجين Prisoner’s Dilemma التي تقوم على أساس أن القرارات العقلانية أحياناً ليست قرارات صائبة، فبعض القرارات مرتبطة بتوقعاتنا لردود أفعال الأطياف الأخرى وتعتمد على حجم ونجاعة المعلومات التي نمتلكها عبر قابلية أطراف المحنة ذاتهم للتعاون والتنسيق أو عبر قراءة بعضهم البعض لأجل الخروج بأقل الخسائر من المحنة المعاشة.
علينا أن ندرك كليبيين جميعاً، وعلي اتساع ليبيا، أننا نحوم في فراغ مطلق بسبب غياب الدولة بمعناها العميق، بما في ذلك الكيانات التي تعتبر نفسها مؤسسات أمن وجيش. فالصراع القائم بالبلاد حالة من العدم المؤسساتي، تجعل ممن يملك القوة صاحب الأمر المفروض خارج شرعية الدولة، لا الحكومات التي تمارس أعمالها وتوزع الوعود في غياب ميزانية وشفافية ورقابة قانونية فاعلة، وصحافة تكشف وتنتقد وتقترح بدائل وحلولا.

نظرية إدارة الصراع في علوم السياسة تجد نفسها دائماً في موقف حرج عندما يكون الصراع مبنيا على القناعات المسبقة، بسبب أن التسويات الجزئية المبرمة في سلسلة تفاصيل أي صراع تكون غير قابلة للصمود فى وجه أدنى المتغيرات، مما يؤجج الأوضاع ويرشحها للانفجار في أي لحظة، وهو ما يفسر حالة القلق الراهن دولياً مما يجري بالبلاد منذ أشهر. سنستمر ليبياً فى أوضاعنا المأزومة وبكل بساطة سياسية محتقنة، ورافضة لتقديم أي تنازل حقيقي، وفي ظل غياب لمشروع وطني حر ومستقل طال غيابه، وضمن تدابير التجنيد المستمر لأوراق سياسية واجتماعية، وتوظيف الرشاوى السياسية الممنوحة بسخاء لمراكز القوى المسلحة كالمليشيات أو للنخب السياسة المخصوصة ولرجالات العلاقات العامة في عواصم مختلفة، أو الرشاوى الأخرى التي تأتي على شكل منح وعطاءات وعلاوات لطبقات من المجتمع لأجل رفع شعبيات الساسة في الشارع بقصد تعزيز غيابه عن أن يملك كلمة في ألعاب سياسية متنوعة تمارس بهم، وتحشرنا، كشعب، في خانة مربع أجوف مؤثث بالسراب والبؤس والضجر.

هامش.
An introduction to Game Theory. Levent Kocesen & Efe A. OK. New York University. July 8.2008

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات