Atwasat

أسعار النفط.. دروس تتكرر

فرج بومطاري الأحد 13 مارس 2022, 03:04 مساء
فرج بومطاري

نشهد هذه الأيام زيادة كبيرة في أسعار النفط، التي يفترض أن تمثل فرصة للدول النفطية لحل مشاكلها الاقتصادية، وتنويع مصادر دخلها، مع ضمان حقوق الأجيال القادمة في هذا المورد الناضب، حيث مرت هذه الدول بتقلبات كبيرة في أسعار النفط، أدت إلى تأثيرات متباينة بحسب السياسات المتبعة، ولعل أهمها الفترات قبيل سنتي 2008، 2014، والآن سنة 2022، ولعل السياسة المالية هي اللاعب الرئيسي في تحديد هذا الأثر، وذلك لما لخيارات السياسة المالية من تأثير قوي على الأداء الاقتصادي، "النمو الاقتصادي، التضخم، الحساب الجاري"، وذلك لاعتمادية الميزانية العامة للدولة على النفط كمصدر رئيسي للتمويل.

إن السياسة المالية في الدول النفطية تواجه تحديات مستمرة على المدى الطويل، وتتمثل في حفظ حصة الأجيال القادمة في هذه الثروة والاستدامة المالية، وعلى المدى القصيرتتمثل في استقرار الاقتصاد وسلامة التخطيط المالي.

في الدول النفطية عموما، كانت السياسة المالية توسعية في السنوات اللاحقة لارتفاع أسعار النفط، ما أدى إلى زيادة الضغط التضخمي وتأخر السياسة النقدية في معالجته نتيجة لنظام سعر الصرف السائد.

أصبحت السياسة المالية هي الأداة الأساسية في خلق الاستقرار الاقتصادي، التي واجهت أهدافا واعتبارات متباينة، كان من شانها أن تبرر فرض قيود مالية، ولكن في أوقات ارتفاع أسعار النفط، كانت الضغوط لزيادة الإنفاق العام تتزايد. نبعت هذه الضغوط في المقام الأول من اعتبارات متعلقة بتوزيع الثروة، واحتياجات الإنفاق المتعلقة بالتنمية، سواء البنية التحتية المادية أو الاجتماعية، وكذلك الاعتبارات الدولية في سياق إعادة تدوير الأموال للخارج عبر التجارة.

بعد انخفاض أسعار النفط، عانت معظم الدول النفطية من مشاكل في هيكل الإنفاق الحكومي، والتضخم، والنمو الاقتصادي، ناهيك عن مشاكل الحساب الجاري، وانتهى بها الأمر إلى اتباع سياسات متباينة تعتمد على أدوات الاقتصاد الكلي المتاحة، وكان الأثر الاقتصادي سلبيا في مجمله.

في ليبيا مثلا، كان هناك توسع كبير في الإنفاق الحكومي، خصوصا التسييري، في سنوات ارتفاع أسعار النفط قبيل سنة 2014، ومع انخفاض هذه الأسعار في 2014 أدى ذلك إلى انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية، وارتفاع التضخم لمستويات قياسية لسنوات، وانخفاض النمو، مع تأخر استجابة أدوات الاقتصاد الكلي لهذه المشكلة، خصوصا السياسة النقدية وتأخرها في تعديل سعر الصرف لأكثر من أربع سنوات استنزف خلالها حوالي 240 مليار دينار ليبي.

تقلبات أسعار النفط
النفط مورد ناضب، وأسعاره متقلبة، والطلب عليه غير مؤكد لارتباطه بعوامل خارجية، وبالتالي فإن السؤال المهم عند انخفاض أسعار النفط هو هل يجب الإبقاء على نفس مستويات الإنفاق، وما هي السياسات الواجب اتباعها.

باعتقادي أن إعادة التوازن للسياسة العامة للاقتصاد هي من خلال تفعيل السياسة النقدية في أوقات النمو الاقتصادي التي يمكن أن تساعد أيضا في التخفيف على السياسة المالية، وهذا يحتاج إلى تغيير نظام سعر الصرف السائد من خلال السماح بالمزيد من المرونة، وإذا استمر الانخفاض لسنوات، يتعين تعديل سياسة التوسع، والتعديل في جانبي الإيرادات والمصروفات، وذلك بالإصلاحات الضريبية، وهيكلة الإنفاق الحكومي وتخفيض التسييري ووضع أولويات للإنفاق التنموي، بالإضافة إلى إصلاح وتفعيل السياسة النقدية.

التجارب السابقة
من خلال دراسة ردود الأفعال السابقة، نتيجة انخفاض أسعار النفط، نلاحظ أنه لا يوجد طريقة مثلى للتعامل مع هذا الوضع الاقتصادي، خصوصا مع تباين الاعتبارات.

تتمثل الاعتبارات المتباينة في المدى القصير في احتواء التضخم الذي يتطلب قيودا مالية على الإنفاق، ومن ناحية أخرى الاعتبارات المتعلقة بتوزيع الثروة، والاحتياجات المتعلقة بالتنمية التي تتطلب توسعا في الإنفاق. وعلى المدى الطويل، فإن القيود المالية على الإنفاق وتراكم الاحتياطيات، ستكون مبررة من منظور الاستدامة المالية، في حين أن تنويع الاقتصاد يتطلب إنفاقا استثماريا مدروسا، خصوصا في البنية التحتية والتعليم.

ولعل أحد البدائل المتاحة لتقليل التباين بين هذه الاعتبارات، هو تحسين هيكل الإنفاق الحكومي بالتركيز على الإنفاق التنموي والحفاظ على مستويات الإنفاق التسييري، إضافة إلى اعتبار معالجة الدين العام أولوية، لإعطاء مساحة للسياسة المالية لتخفيض تدريجي في إنفاقها العام حال انخفاض أسعار النفط، وتبني خطة شاملة لإصلاح نظام الضرائب لخلق مصادر بديلة للتمويل.

___________________________
* وزير المالية السابق بحكومة الوفاق الوطني