Atwasat

تجدد الجدل حول الرأسمالية

رافد علي الخميس 20 يناير 2022, 10:27 صباحا
رافد علي

مع استمرار سطوة الكوفيد 19، بتحوراته المختلفة، علي العالم المفتوح عبر نهج العولمة وعرابها الرأسمالية، لازالت اقتصاديات العالم تكابد مرارات التعافي، والعودة للحياة المعتادة قبل الجائحة التي تضع العالم بمنعطف جديد غير واضح الملامح، بسبب التحولات التي يفرضها على نمطية يومنا المعاش، وبسبب كل توابعه الأخري التي مست العديد من المستويات، إذ تأزمت الاقتصاديات، وفقد ملايين الأشخاص وظائفهم، وتعرقل مراحل التعليم، وبروز حالة الركود والتضخم، وبالتالي التراجعات الملحوظة في معدلات نمو العديد من اقتصاديات العالم، الأمر الذي فتح باب التساؤلات القديمة- الجديدة حول مصير الرأسمالية.

فلا زال البعض يجادل بنبوءات نهاية الرأسمالية، التي انطلقت منذ ما قبل الماركسية، وبأسباب يعددونها، كانعدام المساواة، ولتزايد اتساع الهوة بين الثراء والفقر، وأثرها على حالة عدم الاستقرار الاجتماعي في دول عدة. فقد ظهرت العديد من الأبحاث والدراسات التي تتناول الرأسمالية وسقوطها كتنبؤات تراوحت بين أقصى اليسار كالشيوعية، وبين أقصي اليمين المتمثل في التيارات الدينية المتشددة مسيحياً وإسلامياً على حد سواء.

كتب الفرنسيان باتريك آرتو وماري بول جيرار "الرأسمالية في طريقها لتدمير ذاتها" مُركزين على أن أولوية تركيز الرأسمالية، في أي خطة اقتصادية، على الربح انطلاقاً من المدى القصير، بما يجعل الرأسمالية، في صميمها، غير مستعدة تماماً للتصدي للهزات التي تقع اجتماعياً، في وسط عالم يحكمه سوق متقلب، وتتلاعب به المضاربات والمغامرون فيها عبر الانحرافات المالية في أحيان كثيرة.

كتب عديدة متنوعة خرجت، وعلى مدي عقود عديدة سابقة، سلطت الضوء على معضلات الرأسمالية الداخلية والخارجية لترسم "نهاية نظام رأس مال ميكافيلي يسطو علي عالمنا"، منها كتاب "انهيار العولمة" لرضا عبد السلام، الذي جاء فى مقدمته أن عيب الرأسمالية كان توأمها لحظة ميلادها، ويظل ملازماً لها حتى يقضي عليها ذات لحظة.

فرانشيسكو بولديزوني أصدر صيف عام 2020 "التنبؤ بنهاية الرأسمالية: المغامرات الفكرية منذ كارل ماركس"، رصد فيه عبر قرنين التنبؤات الفاشلة للحظة السقوط الرأسمالي. فالانتقادات الموجهة إلى الرأسمالية، بنظره، سواء كانت بدافع الخوف من مواجهة المجهول عالمياً، لانعدام بديل ناجع يحمي السوق ويصون الحرية، أو بسبب الأمل في انتهاز فرصة تاريخية لتفكيك المنظومة الرأسمالية لأجل خلق عالم أفضل يحمي المجتمع من هزات عنيفة ومفاجئة، كما يصون البيئة من عشوائيات التلوث، قرين الاستهلاك المهدد لكوكبنا. ويرى بولديزوني أن قصة نجاة الرأسمالية حتي التو تعود لجوهرية تأصل الهيكل الهرمي والفرادي في المجتمع الغربي المعاصر.

لا شك في أن جدلية الشاب الإيطالي هنا تأتي ضمن حلقات نقاش النخب الغربية في الأكاديميات، وعالم الثقافة، ومجالات الإعلام، للتعاطي مع ما نشرته الجارديان اللندنية منذ ست سنوات*، حول سقوط الرأسمالية، بسبب عالم التقنية ووفرة المعلومة ومجانتيها، وبالتالي عدم الكلفة فيها وفق علم محاسبة التكاليف، فكتاب فرانشيسكو، كبرفيسور بالعلوم السياسية، لم يحقق ذات الانتشار مقارنة بكتابه The Poverty Of Clio الذي صدر عام 2011، بما يفيد أن فرانشيسكو، كنجم صاعد، يسجل وجوده في جدلية الرأسمالية ومصيرها في ضوء العالم الراهن ومعطيات "ظاهرة" الكوفيد 19.

في عموم الحال، تظل الجدلية حول سقوط الرأسمالية تصب في "مسيرة التجديد الذاتي للرأسمالية كمنظومة" عمل، أكثر من كونها آيديولوجيا فكرية بحتة، كما يرى أنصارها، بما يسمح للرأسمالية بتجديد نفسها من صميم كيانها، ترسيخاً لمرحلة ما بعد الحداثة، المرتكزة على انعدام ثبات أي قاعدة. فجدلية سقوط الرأسمالية لا تنفصل عن مشوار مخاض تغيير أو معالجة النظام الليبرالي عالمياً الساعي لحلحة وتطوير ظاهرة الديمقراطية في العالم، بسبب حالة الانسداد السياسي فيها، إذ أصبحت أحزاب اليمين واليسار تتشابه في أطروحاتها وبرامجها الانتخابية، مما زاد من حالة العزوف الاقتراعي في انتخابات عالم الغرب.

هامش.
*The end of capitalism has begun. Paul Mason. The Guardian. Fri. 17.Jul.2015

_____________________________

- مقالات الكاتب: رافد علي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات