Atwasat

التنمية في ميزان القيم

سالم العوكلي الثلاثاء 11 يناير 2022, 10:13 صباحا
سالم العوكلي

تعني التنمية الإنسانية، كما تُعرفها نظريات التنمية البشرية العالمية: مجموع الترتيبات الاجتماعية المعززة للمنافع الإنسانية والقائمة على توسيع الخيارات المتعددة للإنسان من حيث تفعيل قدراته والفرص المتاحة له، اعتبارا من كونه محور تركيز جهود التنمية، حيث إن هذا المعنى يركز على الإنسان، ويعامل البشر كمدخل فى عملية التنمية، ولأن الإنسان هو محور الفعل فإن دراسات الثقافة السائدة في المجتمع من شأنها أن تهيء البيئة المناسبة والحاضنة لأي طموحات تنموية.

ومن خلال هذين المفهومين تتضح العلاقة الجدلية بين التنمية والثقافة كحقلين مشغولين أساساً بتطوير حياة الإنسان ومن ثم المجتمع بأكمله عبر تناغم جوهري بينهما، ولا سبيل لتحقيق ازدهار ورفاه اجتماعي عبر المساهمة الفاعلة والمنتجة ضمن سياق الحياة الإنسانية برمتها إلا بهما، ما جعل "الثقافة التنموية" مشغلا للبحث الراصد لطاقات المجتمعات وتحدياتها الأساسية وفرصها الممكنة.

بسبب عزلة العمل الثقافي، وتهميشه من قبل الأداء التخطيطي في مجتمعنا ــ الذي ركز على الكيان المادي أكثر من المعنوي، وأحال مكونات التنمية الشاملة إلى جزر معزولة ــ عانت مشاريعنا التنموية المادية في المجال الاقتصادي من عزلة عن إطارها المعنوي الحاضن، أو تعثرت في متاهة تقليد التجارب المستعارة من مجتمعات مختلفة في معزل عن الوعي بثقافة المكان وخصوصياته، ما أدى في النهاية إلى إخفاق جل برامجنا التنموية وتكرار بدايتها الصفرية. ومن هنا تأتي أهمية محاور مثل: أهمية البعد الثقافي للتنمية، والبعد التنموي للثقافة، والنسبية الثقافية. وبرغم أن المختصين في الأنثروبولوجيا الثقافية قد شاركوا في التخطيط لبعض المشاريع التنموية، لكن هذه المشاركة كانت تقتصر في العادة على التأكيد على أن الحقائق الثقافية ظاهرة بشكل كاف في التصميم، ونادرا ما كانت لتشجيع التغيير الثقافي المتناغم مع التخطيط التنموي، والعكس. ويُقر العديد من علماء الأنثروبولوجيا، وعلماء الاجتماع، بالنسبية الثقافية، وهي النظرية التي تنص على أنه يتوجب على كل مجتمع أو ثقافة أن تُحدد قيمها، وأنه لا يوجد بين الثقافات ما هو أفضل أو أسوأ، بل هناك اختلاف فيما بينها.

فالنسبية الثقافية تتفق مع ميل العديد من الاقتصاديين إلى افتراض أن الناس سواسية في كل أنحاء العالم، لكن عالِم الاقتصاد في البنك الدولي سابقا، وليم إسترلي، ومؤلف كتاب (عبء الرجل الأبيض) يرى أن “هناك الكثير مما يمكن قوله حول وجهة نظر الاقتصادي قديمة النمط على أن الناس سواسية في كل مكان، وأنهم سيستجيبون للفرص الاقتصادية والحوافز الصحيحة بالقدر نفسه". فكيف إذن ـ يستطرد إيسترلي ـ يمكن أن نفسر سبب الأداء الأفضل لبعض الأقليات العرقية أو الدينية مقارنة بالأغلبية العظمى للسكان في البلدان متعددة الثقافات، حيث تكون الفرص الاقتصادية والحوافز متاحة للجميع، كما هو الحال عند الأقليات الصينية في إندونيسيا والفلبين وتايلاند وغيرها من الأماكن التي هاجر إليها الصينيون، بما فيها الولايات المتحدة؟ لماذا نجح “إجماع واشنطن” بشكل جيد في الهند وضعف في أمريكا اللاتينية، حيث بدت الاشتراكية، بل وحتى الاشتراكية الاستبدادية في حالة كوبا وفنزويلا، حية ونشطة.".

من المحتمل أن لا تقدم العوامل الثقافية تفسيرا كاملا، ولكن من المؤكد أنها ذات صلة بالموضوع. ويؤكد إسترلي على أن ألن غرينسبان على صواب عندما قال في أعقاب انهيار الاقتصاد الروسي في أواخر التسعينيات: "كنت أعتقد أن الرأسمالية هي طبيعة البشر. ولكنها ليست على الإطلاق. إنها الثقافة". وهو المنحى الذي يؤكده الباحث ديفيد لاندس، في سياق تحليله للمؤشرات الدولية فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي المتفاوت: "كان ماكس ويبر على صواب. فإذا تعلمنا شيئا من تاريخ التنمية الاقتصادية فهو أن الثقافة هي المعنية تقريبا". وبالتوسع في فكرة لاندس الرئيسية حول الموضوع، كتب الاقتصادي الياباني يوشيهارا كيونيو "إن أحد أسباب تطور اليابان هو أنها تملك ثقافة مناسبة لذلك. فلقد علق اليابانيون أهمية على: المساعي المادية؛ العمل الجاد؛ الادخار للمستقبل؛ الاستثمار في التعليم؛ وقيم المجتمع".

وحتى جيفري ساكس، الميال إلى الشك في الثقافة كركيزة أساسية، يعترف بتأثيرها: "حتى عندما تحاول الحكومات إحراز التقدم لبلدانها، قد تُشكل البيئة الثقافية عقبة أمام التنمية، فعلى سبيل المثال، قد تمنع المعايير الثقافية أو الدينية دور المرأة، تاركة نصف السكان دون حقوق اقتصادية أو سياسية…".
ثمة أسئلة جوهرية يمكن من خلالها سبر تلك العلاقة السرية بين الثقافة التي تحدد السلوك ومن ثم السلوك الذي يحفز نجاح الخطط التنموية ويرعاها، من هذا المنطلق يمكن الإشارة بإيجاز إلى الأسئلة الهامة التي طرحها الباحث لورنس إي هاريسون في بحثه المطول (الثقافة والتنمية الاقتصادية) المنشور في موقع مصباح الحرية، والذي يحاول من خلال الإجابة عن أسئلة من هذا القبيل: ما هو الشيء الموجود في الثقافة والذي يؤثر في السلوكيات التي تؤثر بدورها في الأداء السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟ ما هي مؤسسات وأدوات تحول وتغيّر الثقافة؟ ماذا يمكننا أن نتعلم عن الثقافة والتغير الثقافي من دراسات حالات النجاح والفشل؟.

تحمل نتائج المشروع ـ كما يخلص الباحث ـ حكمة دانيال باتريك موينيهان التي تُذكرغالبا: "إن الثقافة هي التي تحدد نجاح أي مجتمع وليس السياسة، وأنه باستطاعة السياسة أن تُغير ثقافة ما وإنقاذها من نفسها".

إن الإجابة على هذه الأسئلة تكمن في دراسة تصنيفية لخمسة وعشرين عاملا من العوامل التي يُنظر إليها بطريقة مختلفة جدا في الثقافات التي تميل إلى التقدم والثقافات المعرقلة للتقدم. إن المخطِّط الرئيسي لها هو العالم والصحافي الأرجنتيني ماريانو غروندونا، الذي اعتبر الولايات المتحدة نموذجا للثقافات الميالة إلى التقدم، والأرجنتين، وبالتالي أمريكا اللاتينية، نموذجا للثقافات المقاومة للتقدم. قُسِّمت العوامل الخمسة والعشرون إلى أربع مجموعات: النظرة العالمية، والقيم والفضائل، والسلوك الاقتصادي، والسلوك الاجتماعي. هذه الأجزاء ليست مفصولة كليا، فالعوامل التي تؤثر على الأداء الاقتصادي موجودة فيها جميعا. على سبيل المثال: "يمكنني التحكم بقدري" في (الثقافات الميّالة للتقدم)، و"القدرية" في (الثقافات المقاومة للتقدم)، مع وجود معانٍ متضمنة مثل هذه التناقضات الجذرية في نجاعة السلوك الاقتصادي: تناقض بين "الحياة من أجل العمل" الميالة للتقدم، و"العمل من أجل الحياة" المقاومة للتقدم – النزوع للمغامرة، معتدل في الثقافات الميالة للتقدم، وضعيف في الثقافات المقاومة للتقدم – الثقافات الميالة للتقدم منفتحة على الإبداع وسريعة التكيّف معه، في حين أن الثقافات المقاومة للتقدم مفعمة بالشك وبطيئة في التكيّف.

يشتمل السؤال الثاني المتعلق بمؤسسات وأدوات تحول الثقافة على ممارسات تربية الأطفال وجوانب عديدة من التعليم والدين ووسائل الإعلام والقيادة السياسية ومشاريع التنمية. وقد يكون الدين الأكثر أهمية فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية. ويذكر الباحث لورنس إي هاريسون أنه قام مع مجموعة من البحاث بتصنيف وتجميع 117 دولة حسب الدين السائد، وتم تسجيل أدائها في عشرة مؤشرات للتقدم، وتؤكد البيانات وجاهة فرضية ماكس ويبر الواردة في كتابه: الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية: "إن أداء الدول البروتستانتية أفضل من تلك الكاثوليكية في خلق الرخاء الاقتصادي والازدهار. ينخفض المتوسط لدى الدول الكاثوليكية نتيجة بطء التنمية في أمريكا اللاتينية، ولكن حتى عندما يتم اعتبار مجتمعات العالم الأول الديمقراطية الرأسمالية، فإن أداء الدول البروتستانتية أفضل بكثير من أداء الدول الكاثوليكية فيما يتعلق بالازدهار والثقة والفساد".

وبشكل أعم، فإن تحليل الأديان يشير إلى أن أداء المجتمعات التي تعتنق الديانات البروتستانتية واليهودية والكونفيوشية أفضل من أداء المجتمعات المسلمة والكاثوليكية والمسيحية الأرثوذكسية، لأنها تشترك في أنماط القيم الخاصة بالسلوك الاقتصادي الذي يميل إلى التقدم، في حين أن الأديان المتباطئة تميل نحو القيم المقاومة للتقدم. لكن هاريسون يعلق قائلاً: "إن الدين ليس هو المصدر الوحيد للسلوك الاقتصادي الذي يميل إلى التقدم: فأهل الباسك شديدو التمسك بالكاثوليكية وناجحون في الأعمال التجارية الريادية؛ وكذلك الأمر بالنسبة إلى تشيلي التي تتفاخر بأن لديها أنجح أداء اقتصادي مستدام في أمريكا اللاتينية، فهي شديدة التمسك بالكاثوليكية وهي الدولة التي بها أكبر نسبة من السكان الذين ينحدرون عن الباسك في أمريكا اللاتينية.".

إن ما سبق ذكره يقترح وجود ثقافة عالمية للتقدم: فقيم السلوك الاقتصادي مهما كان أصلها تخلق النجاح التنموي والازدهار في بيئات جغرافية وسياسية وثقافية مختلفة، ووفق دراسات كمية وكيفية على نطاق واسع ـ يقول هاريسون ـ لا علاقة للجينات بالثقافة، ففي حين أن التغير الثقافي ليس مقترحا بسيطا ولا سهلا، فهو يحدث بشكل دائم في جميع أنحاء العالم، ولا يوجد سبب يستدعي أن تكون قيم التقدم العالمي بعيدة المنال لأي مجتمع إنساني.".

غير أن ما يمكن أن نسلم به أن التخطيط لتنمية ثقافة وتنشئة محابية للتقدم تعتبر أولوية إستراتيجية لأي مجتمع يحاول أن يتغلب على العوالق الثقافية الحاثة على الكسل والاتكالية، والمؤدية في المجمل إلى ذهنية تصل مقاومة لفكرة التقدم أو مستسلمة لفكرة العجز حيالها.