Atwasat

خُرّافة: "سي بن سي"

بوابة الوسط - القاهرة 6 أيام

قبل أن تصير "سرديات العُمر" كتاباً يحوي "أشتات الذات" للكاتب القاص عمر أبو القاسم الككلي، فإنها تشتت في أبعاضٍ من الـ"سجنيات" ومن "منابث الحنظل" نقرأ قصة "أبي" التي فيها يعترف السارد بإقرار الطفل بأن [الأب ـ أبيه]، أورثه خصيصتيه التأتأة والعناد "وذلك يعني أنه قد اصطفاني لأن أكون امتدادا له“. وفي سياق النص يربط السارد بضمير الأنا إعاقتي التأتاة والعناد الموروثتين عن الأب بقيمة الإيثار وأريحيته "لقد اتضح لي الآن أنه [الأب] كان يؤثرني كثيرا. والدليل على ذلك أنه أورثني أهم ما كان يميزه: تأتأته وعناده".

حسب نِسابة الأسماء المقدمه لنا من قبل كلود ليفي شتراوس بـ"بنيوية الأسطورة"

في تراجيديا "أوديب الملك" لـ سوفوكليس، يقترح خُطاطة للإعاقة العائلية المتمثلة في صعوبة الوقوف انتصاب" بما يحيلنا للدلالة الرمزية "للقضيب الوهميphallus"في مبحث جاك لاكان حول القوة والسلطة التي يجسدها عضو الذكورة في حالة انتصابه.

وبترجمة الأسماء. فالجدّ لابداكوس، اسمه يعني: أعرج. ولايوس الأب الذي يقتله ابنه أوديب: اسمه يعني أعسر. وأوديب الحفيد القاتل وناكح الأم بالخطأ الذي تسمت باسمه التراجيديا اسمه يعني: صاحب القدم المتوّرمة، وليس العرجاء او الكسيحة كما رجل لابداكوس، ولا العسراء كما يد لايوس. فالتورّم حالة وليس مرضاً. والواقع لا يعطينا مرضاً محدداً، بل حالة مرضية، وهي تختلف من حالة إلى حالة، لايستوعبها المنطق بقانون الثالث أو الوسط المرفوع في صيغته الرمزية:”أ” إما أن تكون ”ب” أو ”لا ب” ولا ثالث لهما، وصيغته اللفظية: هي أن (الشيء إما أن يتصف بصفة ما أو لا يتصف بها ولا ثالث لهذين الاحتمالين) أو (لا وسط بين النقيضين) ولا منزلة بين المنزلتين. فإما أن تكون في الكلام مبيناً أو لا ـ مبيناً أو في رّدة الفعل مقتنعاً أو لامقتنعاً إذ لا وسط بينهما كالتأتأة كلاماً والعناد قولاً وتصرفاً..

في الخُرّافة المستعادة من موروث الأم الحكوي (موقع 218 بتاريخ16/11/2021) نصطدم مرة أخرى بأوديب اسمه "سي بن سي" وهو شخصية تظهر فجأة ولا ماضي لها. ولفظة "سي"، بتفسير السارد لخرّافة الأم بالأساس: "اختصار للفظة ‘‘سيد‘‘. فهو سيد بن سيد. ولقب سيد هنا لا علاقة له بالرفعة الاجتماعية والنبالة، وإنما هو مجرد مخاطبة تراعي الأصول. ويمكن تأويل "سي بن سي" على أنه "س بن س" بحيث يدل على المجهولية“. إن أوديب باسم "س بن س" يظهر في خرّافة الأم شخصاً لا يمكن التحقق منه واقعياً في العلاقات حسب خُطاطتنا المقترحة لرصد المتغير في العلاقة التراتبية: ابن>أب، أخ أكبر. أم. إنما يُستشف فقط من خلال الهوامات التي يعرّف معجم المصطلحات النفسية مفردها الهوّام بأنه: "مخطط خيالي يكون فيه الفرد حاضرًا وهو يرسم وبشكل مشوه الطرق والوسائل التي من خلالها يريد تحقيق الرغبات اللا واعية" والهوام هو أحد الوسائل الدفاعية التي يستخدمها الشخص لتلبية الميول الطبيعية التي من خلالها يبرر السلوك الصادر عنه الذي قد يكون غير متقبل من المحيط المجتمعي.

في كتابه“الذهانات“ يبين جاك لاكان أنه في الذهان، يكون ثمة شلّلا أو تعطلاً ما قد يصيب مركز المرّكب الأوديبي، تعطلاً سيرتبط بالشلل الذي يحدث لوظيفة الأب في التركيبة النفسية للذهاني. فهذا التعطل المركزي يجعل الآخر الأكبر ينسلخ عن ذات الفرد مما يمنعه من رفع تساؤلاته إليه. وهكذا يكون الذهاني ملزما، بابتكار ذاتي وبتركيب شخصي وخاص لشبكة ذات شكل رمزي يحاول خلالها ابتداع إجابات مُرضية إلى حدٍ ما، لتساؤلاته بخصوص القضايا الوجودية الكبرى بالنسبة إليه.

فحسب السارد تبدأ خرافة الأم "سي بن سي" بما يحيلنا على الإعاقات الحائلة دون الوقوف بانتصاب في تراجيديا أوديب التي يفصلها كلود ليفي شتراوس بـ: أعرج، أعسر، متورّم القدم. فـ "سي بن سي، مد كراعه جي يمشي!"، "فهو شخص ‘‘ينبت‘‘ فجأة عديم الإرادة ولا يعرف حتى المشي، إذ إنه "مد كراعه" صدفة فوجد نفسه يمشي. وهو لا يعرف من أمور الحياة شيئا، إذ ليست له خبرات من أي نوع. أثناء مشيه يمر بأشخاص يقومون بعمل ما، فلا يكلمهم. عندها يقومون بضربه بسبب عدم التحية وقول ما يجب أن يقال عرفيا بخصوص عملهم. فيسألهم عما كان ينبغي عليه قوله، فيلقنونه ذلك ويمضي في طريقه. يمر بأشخاص آخرين يقومون بعمل من نوع آخر فيخاطبهم بما لقنته له المجموعة السابقة. فيهجمون عليه ويشبعونه ضربا لأن ما قاله لهم يعتبر إساءة بالغة، كأن يقول شخص في عزاء ‘‘مبروك ما درتو!‘‘. وتمضي الحكاية على هذه الشاكلة وفي كل مرة يتلقى الضرب. إنه، على خلاف الأطفال، يتعلم عن طريق الضرب. فالمعرفة مشقة ومعاناة".

العناد الموروث الثاني للأبيسية أب/أم هو: سمة أو، بالأحرى، أسلوب حياة. يُرجعه علم التحليل النفسى الفرويدى إلى ما يُسمى "عَرَض أو متلازمة سيزيف Sisyphus Syndrome " وهو تحدٍ السلطة الوالدية فى مرحلة الطفولة. وبهذا التحديد النفسي يمكننا ربط متلازمة العناد أو المعاندة السيزيفية بـ "العُصاب" كما ورد في المقتطف التالي من "الهجوم المضاد" في "أشتات الذات": "الغريب أنه، رغم عنفه وصلابته وعناده (كان كثيرا ما يقول: انى ع العناد نموت!. وكانت أمي حين أختلف معها أحيانا تقول لي مازحة: عاد انت العناد منين بتجيبه؟! لا بوك ولا أمك عنايدية!)، لم يعد إلى ضربي بعدها مطلقا، أيا كان عدم رضائه عن سلوكي ومهما تخاصمنا". حسب كتاب جاك لاكان، المُشار إليه سالفاً، في حالة العُصاب يكون الآخر الأكبر بمثابة المقام الذي تتأسس به الذات المتكلمة وكذلك الذات المستمعة، وهذا يفترض ضرورة وجود قانون، وتسلسل للمجال الدلالي مرتب في انتظام رمزي، يتدخل فيه نظام الكلام المتمثل في اقتحام الأبيسية للنسيج السردي لخرّافة الأم على شاكلة اسم ـ الأب “Le nom du – Pere” وللمجانسة النطقية بين كلمة اسم nom وكلمة non لا النافية فإن النظام الدلالي ينفي إيجابياً الأب كرمز لعضو الذكورة وسلطته. وبهذا النفي يكون الأب في المرّكب الأوديبي ليس شخصاً، ولكنه عبارة عن مجموعة من الرموز تُدخل الطفل إلى العالم المجتمعي باللغة، والثقافة، والقانون .

شتات " الهجوم المضاد" تُعيدنا إلى رخوّ القوقعة الذي ينسحب داخل قشرته كقلب اللوزة الصماء، وبانسحابه إنما يعدّ نفسه للخروج، بما تصدّقه الاستعارات، من الانفجار المفاجئ لشخص تكلّمته طوال حياته الأبيسية بمنطّق فرضه عليه تطبّعه وليس طبيعته: "كان في خصامه داخل الأسرة عموما يتشبث بنقطة محددة ويظل يعلق عليها بسخرية ويدور حولها مكررا نفس الكلام مع تنويعات بسيطة. كان يفعل ذلك حتى مع أمي، التي رأيته أكثر من مرة يضربها. كانت حين يبدأ خصامه معها تسكت مانحة له فرصة قول وتكرار ما يريد. تظل تستمع إليه بانتباه جالسة تفعل شيئا ما. ثم، عند حد معين، تشن هجومها المضاد في كلام دقيق، واضح، متماسك، مكثف، مركزة على نقاط محددة. فيضطر إلى الصمت والانسحاب".