Atwasat

الثقافة الشعبية والروح المفقودة.

رافد علي 6 أيام
رافد علي

الثقافة الشعبية تمتاز بالبساطة في النمو والتطور، حتى وإن كان منتجوها على مستوى عال من الكفاءة والقدرة، ككتاب مسرحيات عادل إمام مثلا. الثقافة الشعبية يصنفها بعض المفكرين والفلاسفة، فؤاد زكريا على سبيل المثال، بأنها "نوع ثالث"، الى جانب ثقافة المجتمع، وثقافة تنمية المدارك والتهذب، أو الثقافة الراقية، لأنها منصبة على الإنسانيات وأدبيات البشر.

وتعرّف الثقافة الشعبية بأنها: الثقافة التي تميّز الشعب والمجتمع الشعبي، وتتصف بامتثالها للتراث والأشكال التنظيمية الأساسية. وتبدو الثقافة الشعبية في كل التماثلات الجماعية للحياة المعيشية الفعلية منها والموجودة، المتمثلة في تطلعات الجماعة ورغباتها ومعتقداتها، وفي نظرتها للحياة، التي يعبر عنها بطريقة شفوية، وهذا التعبير محدد في أشكال تعبيرية متعددة مثل: القصة، الأسطورة، النكتة، الشعر، الأمثال والحكم، وكذا في بيانات وتظاهرات سلوكية (حفلات شعبية ـ رقص ـ طقوس ـ ممارسات ـ ولائم واجتماعات) وهذا ما يسميه البعض بالفولكلور، الذي هو التراث الروحي للشعب، وخاصة التراث الشفاهي، وهو أيضا المعتقدات والأساطير والعادات والتقاليد والخرافات والأغانى والأمثال؛ مع اختلاف في حدة هذه التظاهرات ووظائفها داخل المجتمع وعلاقاتها مع البنية الاجتماعية العامة.

لا شك في أن مفهوم الثقافة الشعبية متداخل بشكل كبير مع الفولكلور، إلا أن التيار الغالب يرسم خطاً فاصلاً بينهما، فالثقافة الشعبية تبدو أشمل من الفولكلور، لأنها تشمل ما هو مادي وغير مادي من الموروث، وأيضا يشمل الحديث المستجد عند شرائح الشعب المختلفة، وكيفية تقبلهم للأفكار والإبداعات، فالفولكلور يعني المتوارث الشعبي، في حين أن الثقافة الشعبية تنصب على المتوارث والمستجد، فتمنح فسحة لمعرفة مستويات الشعب البسيطة، وأيضا النخبة على حد سواء. ولعل هذا مما يسرَّ دعائمه الأكاديمية كل من عبدالحميد حواس ومرسي الصباع وأحمد أوراغي فى مجهوداتهم البحثية لدراسة الثقافة الشعبية عربياً*.

ليس خفياً بانه عربياً، على الأقل، أن هنالك حالة خصومة بين الثقافة الشعبية وثقافة النخبة، أو "الثقافة الرسمية" - كما يطلق عليها البعض-. إذ ترى النخبة بانعزاليتها عن مجتمعها، أن الثقافة الشعبية حالة لا ثقافة، وأنها في حقيقتها حالة فراغ بما تستحدثه أو تقتبسه من "صور مشوهة" من الثقافة الراقية وطنياً أو خارجياً، ولعل النقاش حول أغاني الراب الشبابية، بمفرداتها اللغوية وجملها الموسيقية في مصر والخليج والمغرب مثال حي على هذه الخصومة، مع ملاحظة أن أزمة التصعيد الجزائرية المغربية الأخيرة قد تم توظيف موسيقى الراب فيها للحشد الداخلي، مما أثار تنافساً موسيقياً أفضى إلى ابتكارات فنية خلقت تمايزاً إبداعياً كما يشرح المهتمون.

أنصار الثقافة الشعبية كموضوع علمي مستقل، يرى فريق منهم أن دراسات الثقافة الشعبية في المجتمعات العربية ترجع إلي قرون عتيدة، تسبق حقبة البعثات العلمية للغرب، التي لاحظ فيها الطلاب العرب حالة الاهتمام بقضايا الثقافة الشعبية والفلكلور في البلدان التي أوفدوا إليها، وتلمسوا فيها حالة التعاطي الاكاديمي بالخصوص، فقد وجدت في ثقافتنا مجهودات وهب بن منبه وعُبيد بن شرية الجرهمي وكعب الأحبار التي سعت لتقديم ما عرفه العرب من أساطير حول نشأة الكون وقصص بداياته وظهور اللغات، بل إن ابن خلدون في الجزء الأول من مقدمته تناول الفلكلور وناقش اللهجات العربية وظروف نشأتها، وتعرض للسيرة الشعبية منوهاً بأهميتها الأدبية، ومحللاً نصوصها وخصائصها.

الثقافة الشعبية الليبية شفهية ومكتوبة، من تجليتها الحالية أنها تعايش أزمة البلاد على كل مستوياتها، بما فيها من تطاحن وفرقة، وتقهقر أحوال المعيشة، وفساد ونزوح وبروز نعرات الجهوية والقبيلة ودماء، ولعل إبحارا بسيطا على منصات التواصل الاجتماعى كفيل للمتصفح باستشفاف ذلك، من خلال النكت والأشعار والقفشات السريعة المكتوبة باللهجة الليبية، التى تتناول الأحداث الجارية. من هذه القفشات مثلاً:

"إلي ركب التمر عاللبن، والفاصوليا عالكرشة، والشاهي عالكاكاوية، هذا هو الوحيد إلى يقدر يلم شمل الليبيين على بعضهم".
المنشور رغم السطحية فيه من إحباط بسبب واقع الفرقة الراهنة، إلا أنه يشير بشدة إلى مدى العوز الشديد إلى روح إبداعية ليبية باستطاعتها أن تجمع المتناقضات، لأسباب عدة، من أهمها أننا كليبيين قد ابتعدنا عن أنفسنا، وعن ليبيتنا. فالمنشور، المشار إليه، بكل ما يشمله من تسميات لشعبيات تجمع اللا متلاقي في حبكة تعبر عن تمازج سحري لعناصر غذائية صارت معروفة ومقبولة بأرجاء البلاد، جاءت نتيجة إبداعية اجتماعية ليبية، تشاركت جميعاً لمكابدة شظف الحياة، وللاستمرار فيها قبل النفط وتبعاته.
لاشك أن روحاً إبداعية ليبية صرفة هي الغائب الحاضر في عمر محنتنا، التي بتنا نترنح فيها بين سياسات إدارة الصراع تارة، ووساطات المساعي الحميدة فيه تارة أخرى، والتدخلات السافرة في أمورنا، والأخرى التي تدار في كواليس تقاطعات المصالح بين قوى الإقليم في تارة ثالثة. لقد ابتعدنا فعلاً عن ليبيتنا، وصرنا على مستوى الأزمة لا نملك قرار لم شملنا عبر برنامج وطني مستقل وشامل، يسعى لأن يذكرنا، ويذكر غيرنا، بأننا أهل هذه الرمال، ومن حقنا أن نعيش باحترام.

هامش.
* الأدب العربي: تعبيره عن الوحدة والتنوع. المركز القومي للفنون الشعبية. بيروت. 1987
* دراسات في الثقافة الشعبية. مرسى الصباغ. دار الوفاء. الإسكندرية.
* الثقافة الشعبية: الحضور المعرفي والقيمة الدراسية. أحمد أوراغي. جامعة تلمسان. الجزائر.