Atwasat

"مولد" الانتخابات الرئاسية

جمعة بوكليب 6 أيام
جمعة بوكليب

ما يميز الموالد الدينية الشعبية عن غيرها أنها تستقطب الناس من كل حدب وصوب. وأنها مبعث بهجة وفرح، ينتظر الناس موعدها على أحر من جمر.

إضافة إلى أن روادها لا يعودون منها إلى بيوتهم خاويي الوفاض. فإلى جانب البركة الموعودة والمأمولة، يعودون محملين بما توفره في أسواقها من حلويات عجيبة وخاصة الحمص الذي اشتهرت به. وسيء الحظ منهم من يذهب إلى مولد ديني ولا يعود بحمص. وهو أمر نادر الحدوث، حتى صار مضرباً للمثل، دلالة على سوء البخت. لكن مولد الانتخابات الرئاسية الليبية، الذي بدأت مراسمه رسمياً في الأسبوع الماضي، في مختلف أنحاء البلاد، يختلف في تفاصيله. فهو مثلاً يشترك مع الموالد الدينية في خاصية الاستقطاب البشري. لكنه يستقطب نوعية خاصة من الناس وليس عمومهم. ومن الناحية الأخرى، لا مكان به لبركة ولا لبهجة.

وحمصه مختلف، وإن كان مسيلاً للعاب، والمختلفون حوله أكثر من المرحبين به. وهو مصنع بطاقة هائلة موجهة نحو إنتاج الشائعات والتوتر. ونظرة واحدة على مختلف المواقع الليبية على الإنترنت، كفيلة بتبين بذلك.
فالمترشحون للرئاسة رسمياً، قارب عددهم المئة، وهم أوزان وأحجام متفاوتة. منهم المعروفون ومنهم المجهولون. منهم المدنيون ومنهم العسكريون. منهم ذوو الصلة بالنظام السابق، ومنهم أنصار فبراير. بعضهم مطلوب للعدالة الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وآخرون متهمون بسرقة أموال عامة. لكنهم جميعاً وفقاً لبيانات المفوضية العليا للانتخابات، قدموا شهادات خلو من السوابق الجنائية، تثبت حسن سيرتهم وسلوكهم.

المولد الرئاسي الليبي مختلف عن غيره من الموالد الرئاسية العالمية. فلا حملات دعائية، ولا خطب أو ملصقات، ولا مناظرات تلفزيونية، ولا قواعد انتخابية متفق عليها وواضحة. وكل شيء يدور خلف كواليس وفي الظلام. ومن الواضح أن المولد الرئاسي الليبي ما كان ليحدث لولا إصرار ملحوظ من قوى دولية على عقده. والذين منا يتوقعون خاتمة سعيدة للمولد، عليهم التريث في تفاؤلهم وإعادة النظر في أحكامهم. والاحتمال الأكثر واقعية وموضوعية أيضاً، هو أن الأطراف المتورطة في الصراع على السلطة والثروة يعدون العدة لخوض غمار معارك مرحلة ما بعد الانتخابات، في المحاكم أو في ساحات الوغى، إذا جاءت النتائج مخالفة لتوقعاتهم. والذين منا يتوقعون انتخابات حرة ونزيهة في مجتمع خارج لتوه من جحيم حرب أهلية، عليهم تحمّل ما يظهر عليهم من مفاجآت. لكن في الأخير، إذا كانت الطريق للديمقراطية تشترط حدوث انتخابات، فلا مفر من إجرائها. وإذا لم تنجح هذه الانتخابات، فبالتأكيد ستنجح التي تليها. إذ لا بُد من التعثر والسقوط لدى تعلم المشي.

على عكس حمص الموالد الدينية، حمص مولد الانتخابات الرئاسية الليبية الموعود لا يسيل له لعاب المترشحين فقط؛ بل يسيل له لعاب دول كبيرة وصغيرة وغنية أيضاً. دول بعضها بتاريخ طويل في سجلات التاريخ الاستعماري ونهب الشعوب وقمعها.

وأخرى مجرد نقط صغيرة لا تكاد تبين على الخرائط، في صحاري بعيدة، كجزر مقطوعة. وعلاقتها بالديمقراطية لا وجود لها.
ما يتميز به المترشحون جميعاً، أنهم احتموا بالصمت، ولاذوا مختبئين في كهوفه، عملاً بمبدأ إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. قد يرى البعض أن سكوت المترشحين نعمة وليس نقمة. لأنه، على الأقل يضمن تجنيب الناخبين محنة عذاب لا يحتمل. ولا يجعلهم عرضة لأكاذيب ووعود يستحيل تحقيقها.
الناخبون الذين ينتظرون الموعد المقرر للإدلاء بأصواتهم، بغية التخلص من محنة الوضع الراهن، على أمل حدوث تغير إيجابي يخلصهم منه، من حقهم الحلم بوطن أفضل، وبواقع أفضل، لكن من الأجدى لهم ألا يجازفوا بوضع كل بيضهم في سلة واحدة.

ونوصيهم بترك الأبواب خلفهم مواربة، كي يتمكنوا من الرجوع سالمين.

نحن مدعوون جميعاً للمشاركة في حضور ليالي المولد. لكن، للأسف الشديد، فإن أصحاب الدعوة، أعني المترشحين للرئاسة ومن يقف وراءهم، لم يعدونا بالخروج من المولد ولو بحبات قليلة من حمص. وبالطبع، هناك استثناءات، وأصحابها فوق رؤوسهم ريش ملون. ومن أراد منا حضور المولد عليه أن يعرف أن حمص المولد الانتخابي القادم، إن وجد، لن يأتي على شكل هدايا مجانية، أو رخيصاً مثل حمص الموالد الدينية. وبالتأكيد، سيحصل على مبتغاه، إذا كان بمقدوره دفع الثمن!