Atwasat

مطبات وفخاخ مهنية

جمعة بوكليب الخميس 18 نوفمبر 2021, 01:37 مساء
جمعة بوكليب

الالتزام بكتابة مقالات صحفية أسبوعياً، مع صحيفة أو مجلة أو موقع إلكتروني، يتطلب ترتيباً إدارياً متعارفاً عليه مهنياً بين كُتّاب تلك المقالات وإدارات التحرير في الصحف والمجلات والمواقع التي يعملون بها أو يتعاونون معها، بما يضمن صدور المقالات في المواعيد المحددة المتفق عليها، وعلى الشكل المطلوب مهنياً. الأمور قد تبدو، من الخارج، سهلة وميسرة لمن لا يعرفها أو يجربها، خاصة حين لا تكون تلك المقالات مرتبطة بمتابعة شؤون سياسية ذات طبيعة متقلبة.

في تلك الحالات، عادة ما يلجأ كُتّاب المقالات من المحترفين إلى انتهاز أوقاتهم، بإعداد عدة مقالات، في مرة واحدة، تتناول شؤوناً حياتية يومية لا تأثير يذكر لتطورات الأحداث السياسية المتغيرة عليها، ثم يقومون بإرسالها دفعة واحدة، إلى إدارات التحرير المختصة لتقوم بترتيبها ونشرها واحدة تلو أخرى. وهم بذلك، يتخلصون من عناء التقييدات الوقتية المفروضة، ويمنحون أنفسهم فسحات معقولة من الزمن، للانصراف لقضاء شؤون حياتية أخرى تخصهم.

المشكلة، في الحقيقة، تكشف عن أنيابها، حين يكون الكُتّاب معنيين بمتابعة شؤون سياسية، محلية أو دولية، والتعليق عليها بارآئهم. إذ وفقاً للتقاليد المهنية، عادة ما يتم الاتفاق بين الكُتّاب وإدارات التحرير على يوم محدد في الأسبوع لتسليم المقالات. وعادة، ما يكون في متسع من الوقت يتيح للمختصين في تلك الإدارات الاطلاع عليها لضمان جودتها، وعدم مخالفتها للوائح والنظم القانونية الداخلية المعمول بها، وتعديلها أو تصحيحها، ثم نشرها أخيراً. إلا أن طبيعة الأحداث السياسية وسرعة ما يعتريها من تغيرات، كثيراً ما تضطر إدارات الصحف إلى التدخل بوقف نشر تلك المقالات، لتغيُّر مجرى الأحداث سريعاً، وعلى نحو مخالف لما كان سارياً أو متوقعاً، أو أن يجثم بككله على صدور الناس والدنيا حدث سياسي يكون من المستحيل تجاهله، يستحوذ على اهتمامات وسائل الإعلام والناس دولياً، ويفقد تلك المقالات صلاحيتها، أو مفعولها، أو الاثنين معاً. ربما، لهذه الأسباب، يميل العديد من أؤلئك الكتاب إلى الاتفاق مع إدارات التحرير بالصحف على موعد لتسليم مقالاتهم ليس بعيداً زمنياً عن موعد نشرها، لتفادي الوقوع، ما أمكن، في شراك فخاخ غير متوقعة، وضماناً للسلامة.

ما دعاني للحديث عن هذا الموضوع، هو وقوعي في ذات المطب عدة مرات، وعلى نحو، في بعض الأحيان، استلزم شعوري بالخجل والحياء. والسبب، أن تلك المقالات التي أجهدت نفسي في كتابتها، احتوت تحليلات سياسية، وتكهنات لمجرى حدث سياسي معين، ثم جاءت تطورات جديدة وكشفت خطأ تكهناتي وتحليلاتي، بأن أخذت الأمور خط سير مخالف كلية لما احتوته تلك المقالات. في تلك اللحظات، لا مفر للكاتب من مواجهة عقدة الشعور بالذنب على تقصيره في الإلمام بجزئيات الموضوع من كل جوانبه. وكذلك عدم حرصه مهنياً على أن تشمل ما يمكن أن نطلق عليه وصف الاحتمال والاحتمال الآخر.

بمعنى أن الدروس التي تعلمتها، من تلك المقالب التي غصصت بها عدة مرات، علمتني أن العجلة من الشيطان مبدأ لا يمكن نسيانه، بحيث صرت أحرص، ما أمكن الحرص، على ضرورة عدم التسرع في الوصول إلى استنتاجات حاسمة وقاطعة، تتعلق بشؤون سياسية محلية أو دولية، لا علم لي بكل تفاصيلها، ولا إحاطة كاملة لي بخلفياتها التاريخية. وتعلمت كذلك، أن المتابعة للأحداث وتطوراتها في وسائل الإعلام المختلفة، أولاً بأول، قد لا تكون دائماً كافية، ومنقذة من الوقوع في الفخ. وأن الضرورات المهنية اللازمة لحفظ ماء الوجه تتطلب مني بذل مزيد من الصبر والبحث والتنقيب، هذا أولاً.

وثانياً، علمتني تفادي الإصرار على رؤية مسار أحادي لأحداث تتسم بمسارات كامنة تحت الأرض ومتعددة. وثالثاً، أن أهتم كثيراً بما أستخدمه من مصطلحات ومفردات سياسية، بأن أتفادى، قدر الإمكان، عدم الاقتراب من تلك المتسمة بالحسم والإطلاق. والأهم، التأكيد على عدم إغلاق الأبواب ورائي، وتركها مواربة، بحيث يمكنني، متى احتجت، الانسحاب سالماً، والرجوع إلى قواعدي، حفاظاً على ماء وجهي أمام القراء، وأمام زملائي من المختصين والمهنيين.