Atwasat

حالة أميركا في أفغانستان: هزيمة.. أم إخفاق؟

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 12 سبتمبر 2021, 12:01 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

كان تدخل أميركا في فيتنام (وأقول تدخل، ولا أقول غزو، لأنه تم بموافقة النظام القائم في ما كان يعرف بفيتنام الجنوبية حينها) وغزوها العراق سنة 2003 أمرًا مدروسًا واتخذت له الاستعدادات الملائمة. ففي الحالة الأولى كان الهدف الحيلولة دون سيطرة قوات ثوار «الفييتكونغ» الشيوعيين الجنوبيين المدعومين من جمهورية فيتنام الشمالية الشيوعية (المدعومة، بدورها، من الصين والاتحاد السوفياتي) على جنوب فيتنام وإسقاط النظام القائم هناك وتوحيد شطري فيتنام تحت راية الشيوعية، إضافة إلى ما يمكن أن يجره ذلك من تأثير غير مرغوب فيه، بالنسبة إلى أميركا والغرب، على لاوس (التي كانت بها فعلاً حركة ثورية شيوعية قوية عرفت باسم البتتلاو) وكمبوديا وتايلند وبورما.

وفي العراق تم الاستعداد للغزو بهدف إسقاط نظام قائم بذريعة امتلاكه مخزونًا من أسلحة الدمار الشامل يستطيع أن يهدد بها «الاستقرار» في المنطقة، وبالتالي في العالم.

بالنسبة إلى الغزو الأميركي لأفغانستان (وهو غزو وليس تدخلًا) كان الأمر مختلفاً تمامًا. فأميركا أسهمت في تأسيس فصائل «المجاهدين» الأفغان منذ سنة 1978، عقب الانقلاب العسكري الشيوعي هناك، ودعمتها بأحدث الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها رجال «حرب العصابات» بهدف إلحاق الهزيمة بالقوات السوفياتية المتدخلة، نهاية سنة 1978، لحماية النظام الأفغاني الحليف. وعندما أدت الحرب إلى انسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان، سنة 1992، احتدم الصراع المسلح على السلطة بين فصائل المجاهدين، وتركت أميركا الشأن الأفغاني في يد حليفتها باكستان التي سارعت بتأسيس حركة «طالبان»، سنة 1994، وأطلقت يدها في أفغانستان، فتمكنت من هزيمة قوات المجاهدين وإحكام قبضتها على البلاد سنة 1996.

وإذن، لم تكن أميركا معترضة على استيلاء «طالبان» على السلطة في أفغانستان، لأنها مطمئنة إلى أنها محكومة بمقاليد حليفتها باكستان. فعلاقة أميركا بنظام «طالبان» لم تكن علاقة عدائية، وإن لم تكن ودية أيضًا.

ما فجر العداء بين أميركا و«طالبان» هو واقعة 11 سبتمبر 2001 المعروفة التي نفذها تنظيم «القاعدة» الموجود في أفغانستان تحت رعاية حركة «طالبان» ونظامها، فاعتبرت أميركا الحركة شريكة لتنظيم «القاعدة» في هذه الحادثة.

في إطار هذه المعطيات كان غزو أفغانستان من قبل أميركا ردة فعل سريعة، وحتى متسرعة، ولم يكن مشروعًا مدروسًا ومتدبرًا فيه، كما في المثالين أعلاه. والهدف من الغزو لم يكن بنية الاحتلال الدائم (وهذا الأمر ينطبق أيضًا على حالتي فيتنام والعراق) وإنما كان بهدف تنصيب نظام حليف وتقويته عسكريًّا بما يمكنه من بسط سيطرته على كامل البلاد واجتثاث أية مقاومة مسلحة.

نعرف، من خلال التاريخ، أنه لم يحدث أن هزمت حركة مقاومة مسلحة قوة احتلال أو تدخل أجنبي هزيمة عسكرية على غرار هزيمة ألمانيا في شمال أفريقيا أمام بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، أو هزيمة قوات دول المحور أمام قوات الحلفاء أثناء نفس الحرب. وإنما يتقرر الانسحاب عندما تصبح تكلفة مشروع الاحتلال أو التدخل أعلى من مردوده الاقتصادي أو السياسي، إضافة إلى ما يمكن أن يستثيره ذلك من تذمر واعتراض واحتجاجات داخل البلد المستعمِر (في هذا السياق علينا أن نتذكر ما أثارته الحرب في فيتنام من حركات احتجاج قوية داخل أميركا).

وإذن، بهذا التفريق الفني الدقيق بين الانسحاب جراء هزيمة عسكرية والانسحاب بسبب ارتفاع تكلفة مشروع البقاء، لا تعتبر أميركا قد هزمت، وإنما أخفق مشروعها إخفاقًا ذريعًا، وعلى الجانب الأفغاني تعتبر «طالبان» قد أحرزت نصرًا مؤزرًا جليًّا.

لا بد من الإشارة، في ختام هذا المقال، إلى أن سيطرة المؤسسة الشيعية في إيران وإنشائها نظامًا دينيًّا إسلاميًّا، سنة 1979، قد أعطى دفعًا معنويًّا لما سمي «الصحوة الإسلامية» وفتح أمامها أفق الأحلام والتوقعات، وقد عزز هذه الأحلام والتوقعات سعي النظام الإسلامي في إيران إلى تصدير «الثورة الإسلامية»، خصوصًا في دول الجوار. ليس لـ«طالبان»، في ما يبدو، سعي إلى تصدير الثورة، لكن من المؤكد أن انتصارها سيشكل انتعاشًا معنويًّا قويًّا للحركات الإسلامية المتطرفة من مثل «أنصار الشريعة» و«داعش» و«بوكو حرام».