Atwasat

انتخابات دون شروطها.. ماذا سنجني؟

أنس الفيتوري الأربعاء 11 أغسطس 2021, 11:58 صباحا
أنس الفيتوري

بداية ليس هدف المقال معارضة الانتخابات أو فرض تفكير مثالي لا يمتُّ للواقع بصلة، لكن الهدف الرئيسي نقد المسارات التي ندفع إليها لخلق مساحة حوارية يمكن أن نطوّر من خلالها رؤيتنا السياسية.

تُشكّل الانتخابات جزءا حيويا من العملية الديمقراطية، ومن ذلك الانتقال الديمقراطي وتنفيذ اتفاقات السلام وتوطيد الديمقراطية، بحسب تعريف منظمة الأمم المتحدة.

حين نعرّف الانتخابات بأنها جزء من العملية الديمقراطية، فإن ذلك سيكبح الاندفاع القوي نحوها باعتبارها حلا سياسيا، فالتفكير الرومانسي في الانتخابات لا يلتفت لأسباب المشكل السياسي العميق الذي برز بعد سقوط نظام القذافي.

بإمعان النظر، سيظهر سؤال بشأن جدوى الانتخابات التي يعتبرها البعض محطة تأسيسية من غير أن يفكروا فيما يجب أن يسبقها من تفاهم على القضايا الخلافية الاقتصادية والاجتماعية التي تحرّك الصراع وتفجّره، وتعمل بعض الأطراف الخارجية على توظيفه وتغذية استدامته.

إن الإسهاب في الحديث عن الانتخابات وحشد المجتمع وإمكانات الدولة لها، في ظلّ وجود قوة عسكرية تنزع للمغالبة، ومع وجود أقطاب سياسية رسّخت وجودها في كل مؤسسات الدولة، وتقاسمت مواقع النفوذ، غير ذي جدوى، حيث إن مخرجات الانتخابات ستضعنا مرة أخرى بين خيارين فاشلين، أحدهما لا يؤمن بالسياسة والثاني نخبة فاسدة تفتقد للمشروع السياسي.

إن الحالة السياسية الليبية ليست صراعا بين قوى سياسية ذات توجهات مختلفة يمكن أن ينظّم عملها قانون أحزاب وانتخابات، بل نحن في طور سابق لذلك، إذ ما زال الصراع بدائيا وجوديا تحكمه عقلية الغنيمة والقبيلة، فالعسكري الساعي إلى الاستحواذ على السلطة لا يؤمن بوجود السياسي بل يعدّ المجال السياسي تهديدا لوجوده ونفوذه.

وفي المقابل أفرزت الصراعات المسلحة مافيات تمتلك السلاح، لديها تجربة وخبرة في الاحتيال على إرادة القانون والمواطن ورسّخت وجودها في مؤسسات الدولة وحوّلتها إلى إقطاعيات بعضها جهوية وأخرى عائلية.

ولا تقف فوضى المشهد عند نزاع الأطراف الداخلية، بل تمتدّ إلى عمل بعثة الأمم المتحدة للدعم والمساندة أيضا، فإنّ ما تقدّمه لأجل التحوّل الديمقراطي يعدّ إطارا نظريا، وأمّا الواقع فينطوي على ممارسة سياسية، فلم نر منها ردّة فعل حين قرّر حفتر الهجوم على طرابلس وأفشل مشروعها المسمّى بالمؤتمر الجامع.

ربما تجد البعثة في الانتخابات معالجة ضرورية لاختلال التوازن الدولي في ليبيا، فقد ترتّب على الحرب الأخيرة متغيرات نتيجة تدخل دولتي روسيا وتركيا، لذا تحرص البعثة الدولية على إجراء الانتخابات لإحداث توازن مع مصالح أمريكا والدول الأوروبية.

إنّ مجرد إجراء انتخابات لا يعني أننا نسير في مسار صحيح لبناء نظام شرعي يرسي مبادئ دولة القانون والمؤسسات.

لا سبيل لإصلاح الواقع إلا في بروز تيار مجتمعي واعٍ يؤسس أفكاره وممارسته السياسية على فهم عميق للتركيبة الاجتماعية والاقتصادية والمصالح الخارجية وإشكالية الشخصية الليبية والجغرافيا والثقافة الليبية لبناء رؤية وطنية.

من المخاطر المحدقة إضفاء الشرعية من خلال الانتخابات على حكم عسكري في الشرق والجنوب، وحكم مراكز قوى مختلفة متنازعة في الغرب، فيتبخّر أي حلم بإصلاح الواقع.

كلما تأخر التفكير الجاد والحوار المجتمعي بشأن محركات الصراع الاقتصادية والاجتماعية وفهم أبعاد التدخل الخارجي، طال أمد الأزمة الليبية التي لا تختلف كثيرا عن دول فاشلة لم تستطع اجتماعيا تقديم نموذج للحكم بعد التخلص من الدكتاتورية.