Atwasat

ساكنون موقتون.. يتكلمون

جمعة بوكليب الخميس 08 أبريل 2021, 02:16 مساء
جمعة بوكليب

حين يكون الحديث عن 10 داوننغ ستريت، غالباً ما يكون على ألسنة أشخاص لا يقيمون بين جدرانه. لكن هذه المرة، الحديث جاء من أفواه من صالوا وجالوا في ممراته وغرفه، وصالاته.

المبنى اكتسب مكانته التاريخية من خلال كونه، طيلة ثلاثة قرون، مقراً لرؤساء الحكومات، الذين كانوا محظوظين وأقاموا به، في مراحل وحقب تاريخية متميزة. في ذلك المبنى، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، يكمنُ عصب السياسة البريطانية. وهناك، في أرجائه، تدور عقارب الساعات بإيقاع بريطاني جداً، كان العالم، سابقاً يحرص، على ضبط ساعاته عليه. ورغم صغر مساحة المبنى، كانت شؤون الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس تصمم وتدار من غُرفه وصالاته. ومثل قلب الرحى تدور إشكالاتها وتنتهي إليه. وما زال، إلى يومنا هذا، يستقطب الاهتمام. ومن يملك مفاتيحه، موقتاً، يدخل التاريخ من أوسع أبوابه. وحين يغادره، يتمنى لو أن التاريخ يغمض عينيه للحظات كي لا يكون شاهداً على خروجه، رغم علمه المسبق باستحالة ذلك. كلهم يدخلونه كفاتحين، ويغادرونه نادمين مهزومين، لكن تلك قصص حزينة، لا مكان أو وقت لها في هذه السطور.

سبق لي، فيما مضى في أكثر من مقالة، أن تعرضت للمبنى، وما يحتويه المقر، وأشهر ساكنيه، ومن ضمنهم قططه المشهورة. وفي الفترة الأخيرة، وفي غمرة موجات الوباء الفيروسي، قرأت تقريراً إعلامياً يتناول بالعرض برنامجاً إذاعياً مسموعاً، من ثلاث حلقات، في واحدة من إذاعات هيئة الإذاعة البريطانية المحلية، راديو 4، استضاف عدداً من رؤساء الوزراء البريطانيين، ممن عرفتهم، كمراقب ومتابع للساحة السياسية، وعاصرتُ شخصياً فترات وجودهم في ذلك المبنى، وتابعت باهتمام تطورات فترات حكمهم، وشهدتُ دخول وخروج ثلاثة منهم، ولا أعرف إن كنتُ سألحق على حضور نهاية المقيم الحالي. وهم السادة على الترتيب: جون ميجور، وتوني بلير، وديفيد كاميرون وبوريس جونسون. ثلاثة منهم محافظون وواحد (بلير) من حزب العمال، وبقي في ذلك المقر عشر سنوات (1997-2007). وهو ثاني أطول رؤساء الحكومات البريطانيين بقاء في الحكم بعد السيدة تاتشر.

البرنامج الإذاعي، كما ورد في التقرير، حاول أن يستدرج ضيوفه إلى الحديث عن ذكرياتهم في ذلك المبنى، وتصوراتهم له قبل أن يصلوه، وهل تغيرت نظراتهم إليه بعد قضاء سنوات بين جدرانه. السيد توني بلير كان الأول في المقابلات. وتحدث بصراحة مدهشة. ومما قاله إنه لم يستمتع بوجوده في ذلك المبنى، بسبب حجم المسؤوليات التي وجد نفسه يواجهها يومياً، وكذلك لأن كل تحركاته وقراراته كانت تحت الرصد والمتابعة والمراقبة. أضف إلى ذلك، أن توليه منصب رئيس الحكومة آنذاك، كان أول وظيفة حكومية يشغلها. وأنه وصل إلى رئاسة الحكومة من دون أي خبرة عملية في تولي وإدارة شؤون أي ديوان حكومي. وشبه حالة وصوله للحكم بحالة نادٍ كبيرومشهور -مانشستر يونايتد- يبحث عن مدرب لفريقه الأول فلم يجد شخصاً محترفاً مناسباً. لذلك اقترح أحدهم أن يتم اختيار أكثر المشجعين حماساً للقيام بالمهمة! لكن الأهم من ذلك ما قاله حول دخوله المبنى رئيسا للحكومة وخروجه منه. حيث قال إنه لحظة الدخول لم يكن يمتلك أي خبرة أو قدرات، ويحظى بشعبية هائلة. وحين غادره كانت شعبيته في الحضيض، وخبراته كثيرة وقدراته كبيرة.

رئيس الحكومة الحالي السيد بوريس جونسون، قال إنه في ذلك المبنى يعتمد على فريق كبير من الأشخاص لتنفيذ مسؤولياته. وأن ذلك ليس مقتصراً عليه، بل إنه ما يجده متوافراً كل رئيس حكومة يصل إلى المنصب. وقال إن أجمل امتيازات المنصب هي فرصة العيش في مبنى تاريخي بمعمار متميز، صار مركزاً مهماً في دائرة اقتصادات الدول السبع المتقدمة. ما لم يقله السيد جونسون هو أنه غير سعيد بما يتلقاه بالمقابل من مرتب سنوي مقارنة بما كان يحصل عليه قبله، بما كان يقوم به من أعمال وخطابات ومحاضرات وكتابة مقالات في الصحف. العُسر المالي للسيد جونسون، استناداً إلى تقارير إعلامية، دفع به أخيراً إلى التفكير بحملة تبرعات هدفها توفير مبلغ مالي يمكنه مع خطيبته من تجديد أثاث المبنى!!

ديفيد كاميرون الذي دخل المبنى رئيساً للحكومة العام 2010، واستقال من المنصب العام 2016، عقب خسارته في الاستفتاء حول البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، قال إنه اندهش لفقدان 10 داوننج ستريت السلطة على بقية الوزارات. وأوضح أن الناس تعتقد أن 10 داوننج ستريت أقوى مؤسسات الدولة، لكن الحقيقة هي أنه يعد صغيراً مقارنة بغيره من الوزارات الكبيرة والعتيدة! واعترف بأنه كان لا يعرف بما يجري في أروقة تلك الوزارات. وفي كثير من الأوقات، حين يعلم بما يجري، كان يسعى لإيقافه. واعترف كذلك، أنه كان ينتظر فترة راحة الغداء، لكي يهرب من مكتبه، إلى شقته السكنية في الطابق الثالث، ليعد لنفسه «سندوتش جبن»، ويأكله لوحده على مهل، بهدف أن يلتقط أنفاسه ويستريح، في صمت، بعيداً عن الضوضاء.