Atwasat

حق المترجم؟

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 28 مارس 2021, 12:16 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

نعود، مرة أخرى إلى موضوع الترجمة وخصوصية وضعها. ليس من جانب الإصابة أو الإخفاق هذه المرة، لكن من جانب آخر يتعلق باختلاف التصرف من مترجم لآخر، وهو اختلاف لا يمس جوهر النص المترجم.

أمامنا هنا الجملة الافتتاحية من كتاب مشهور جدًا في فلسفة الفن لمنظر الفن النمساوي إرنست فشر، هو كتاب "ضرورة الفن". الكتاب قديم صدر في لغته الأصلية ، الألمانية، سنة 1959، وترجم إلى العربية مرتين. الترجمة الأولى قام بها أسعد حليم، المصري، عن الإنجليزية، والترجمة الثانية قام بها ميشال سليمان، اللبناني، عن الفرنسية.

والحقيقة أن إرنست فشر نفسه، حسبما يرد في ترجمة ميشال سليمان، طلب من المترجم الفرنسي اعتماد الترجمة الإنجليزية لكتابه وليس الأصل الألماني! لأنه يرى أن الترجمة الإنجليزية أوفى من الأصل.

يترجم أسعد حليم الجملة الأولى في الكتاب على هذا النحو:
"الشعر ضرورة.. وآه لو أعرف لماذا". وهي جملة صادرة عن الشاعر الفرنسي جان ككتو.

ويترجم ميشال سليمان الجملة نفسها على النحو التالي:
" الشعر ضرورة، ويا حبذا لو أعرف لماذا"
أنا أتيحت لي فرصة قراءة الكتاب في ترجمة أسعد حليم أواسط السبعينيات. وشدتني هذه الصرخة الحرى: "آه لو أعرف لماذا". في التسعينيات أعدت قراءة الكتاب بترجمة ميشال سليمان. فشعرت بأن ترجمته لنفس الجملة أقل تأججًا وتوقًا من ترجمة أسعد حليم، واعتقدت أنه، بما أن الترجمة عن الفرنسية وجان ككتو فرنسي، فلا بد أن ميشال سليمان كان أكثر وفاء للنص الفرنسي.

مؤخرًا عثرت على الترجمة الإنجليزية للكتاب [أعتقد أنها الترجمة المعنية]، وأرغب هنا في أن أثبت عبارة جان ككتو الفرنسي في ترجمتها الإنجليزية:
“Poetry is indispensable- if I only knew what for.”

ويمكن أن تترجم في العربية:
"لا غنىً عن الشعر- وليتني أعرف لماذا".
يبدو لنا أن ميشال سليمان ربما كان أكثر التزامًا بالنص الفرنسي، على أن أسعد حليم لم يلتزم بالترجمة الإنجليزية. فلقد حول التعبير عن التمني من السياق اللفظي إلى السياق الصوتي الشفهي.. من مفردة لغوية إلى تنهيدة. من حروف في بنية لغوية مكتوبة إلى زفرة. لقد حشد ما تنطوي عليه عبارة ككتو من مشاعر الحيرة والقلق والتوق إلى المعرفة، وحولها إلى آهة تتأجج حسرة. ترجمة فعلًا فيها إبداع. ترجمة تفوق النص الأصلي روعة.
لكن هل من حق المترجم أن يمنح النص المترجَم مسحة جمالية جديدة لا تظهر على ملامحه في الأصل؟