Atwasat

روميو وجوليت في نسخة ليبية حقيقية

محمد طاهر الأحد 28 فبراير 2021, 07:02 صباحا
محمد طاهر

سمعت في طفولتي، سبعينيات القرن الماضي، واقعة علقت بذاكرتي بقوة، وانغمست في وجداني حتى إنها أصبحت عصية على مِمحاة الزمن.

تدور وقائع هذه الحادثة المأساوية حول امرأة ليبية من طرابلس، كانت عائلتي على معرفة بها.

المرأة وضعت حدا لحياتها بطريقة قاسية واستثنائية في المجتمع الليبي. ولعل هذه الحادثة كانت أول وآخر قصة انتحار تعرفت على تفاصيلها عن قرب.

كانت هذه السيدة الليبية النبيلة متزوجة، وقد مر على ذلك أكثر من عشر سنوات ولم تنجب، ما أثار موجة من اللغط حولها وخاصة من عائلة زوجها.

حين كانت النسوة تجتمع في مناسبة ما، كانت الأسئلة تنهال عليها ملحاحة مستفزة تسألها عن سبب عدم قدرتها على الإنجاب، مع تلميحات لا تخلو من قسوة، فهي مسكينة وزوجها مظلوم، والذرية أمر هام لا تستقيم الحياة الزواجية من دونه، وفق السائد.

لسنوات تحملت هذه السيدة الكثير من العبارات القاسية التي جعلت منها مذنبة ومسؤولة عن خلو منزلها من ضحكات الأطفال وشقاوتهم. بل وبدا الأمر كما لو أنها كانت مسؤولة عن حرمانها من الأمومة وزوجها من الأبوة.

حاولت السيدة أن تبحث عن مخرج مما هي فيه، وتحدثت إلى زوجها عارضة عليه أن يتزوج بأخرى، وأن يضيف إليها "ضرة" من أجل أن يكون له خلف.

وكان الزوج من نفس طينة السيدة. رفض الفكرة بشدة مؤكدا رضاه بالقسمة والنصيب، وطلب منها أن تغلق هذا الباب وأن ترضى هي الأخرى بالأمر الواقع، وألا تعير ما تلوكه ألسنة النسوة أي اهتمام.

لم تنته محنة السيدة، بل صُدت جميع الأبواب أمامها، وبقيت هدفا لسهام النقد والتجريح القاسية، فانهارت مقاومتها ولجأت إلى أسوأ الحلول وأقسى النهايات.
وجدت السيدة نفسها محاصرة بين ألسنة النسوة الصليتة وغياب أي مخرج ممكن، فأخذت ذات ليلة حبلا لفته على عنقها وتعلقت به.
وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتنطفئ الأضواء حولها تماما، خبأت صورة زوجها فوق صدرها تحت "ردائها" التقليدي.

لماذا فعلت ذلك؟
الحكاية تقول إنها أرادت، وهي الأمية البسيطة، أن تعبر لزوجها عن حبها الصامت الخفي. وأرادت أيضا في نفس الوقت أن تبعد عنه بهذه الطريقة أي شبهة في موتها المأساوي.

ولأنها حادثة قاسية وحقيقية، انطبعت في وجداني وبقيت حية نابضة رغم مرور الزمن وتزاحم الأحداث وتفجر الانفعالات من كل نوع ولون. بل ويمكن القول إنها مع الزمن أصبحت أكثر حضورا وسلطانا، مثل جرح غائر ما إن يندمل حتى يُفتح من جديد.
وربما لهذا السبب، خرجت الآن من داخلي مثل بركان. خرجت كما وصلتني، ورددتها ذاكرتي في الخفاء لعشرات السنين مثل تعويذة خلّدتها الأوجاع، وذلك النوع من النهايات المأساوية التي تنفعل لها القلوب وجيبا يخيل أنه يصل على مسامع الآخرين..