Atwasat

محمد زغبية وعرجون الفل!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 19 يناير 2021, 11:52 صباحا
أحمد الفيتوري

أنصت للغياطة محتارا، في عرجون الفل الذي لم أشاهده مرة، في الصابري حيث أقطن. و"بوسعدية" يخرج قدامي من "زرائب العبيد"، متقلدا العظام والعلب الفارغة، لم يكن ثمة فل حتى زهرة واحدة.

ذهب الصبا، وردح كبير من العمر، دون فل ولايحزنون، لكن في ذلك الصغر، كان الصابري الحي الشعبي، في بنغازي الناهضة، من ركام الحرب الثانية، مهدودة الحيل والحال، الصابري يفاخر "البركة" و "حي البلاد" بفقره، الذي يزدهر والخراب اليانع وسيكتب "الصادق النيهوم" مقالة/عريضة باسم سكان الصابري، المعترضين على سكان بنغازي الآخرين، الذين يخترقون الشارع الرئيسي لحيهم، حاملين جثث مواتاهم فحسب، حيث يقع الصابري بين جامع الموتى وجبانة سيدي عبيد، "النيهوم" سكن الصابري، وطاردته العفاريت بين "حلاليقه/ أكواخ الزنك، في شوارعه المتربة والضيقة.

وفي ذاك الصبا غير المأمون، سكنت شارع الدرناوي، ما يحده جهة البحر زرائب العبيد، حيث الدنقة والغيطة والرقص، فنون الزنوج القاطنين الزرائب، ويصب هذا الشارع في سبخة الصابري، قبالة "كوشة الجير" لـ "سى علي زغبية"، من من أولاده محمد زغبية، الناقد والكاتب والمترجم والمثقف المتميز، من توفي مبكرا ولم تجمع مقالاته بعد، وخالد زغبية شاعرأغنية الميلاد، الذي بشر بالحداثة الشعرية، من خلال كتابة قصيدة التفعيلة، القصيدة الرومانتيكية الثورية، ما احتفت بالموروث الشعبي في أغنية الميلاد، وقد منعت له قصيدة وقدمت للمحاكمة، باعتبارها تمس تابو من التابوات، ثم إبراهيم زغبية، من كتب في مقتبل عمره بعض المقالات، وشارك بفاعلية في المنشط الثقافي السياسي، وفي تأسيس بعض مؤسسات المجتمع المدني .. وغيرهم ممن ساهم في الإدارة الليبية.

ذلكم حصل بين الأربعينات والسبعينات، من القرن العشرين المنصرم.

شارعنا القديم:
هكذا والصديقان الشاعر المتقاعد محمود العرفي، والمخرج المسرحي داوود الحوتي، عشنا في ذلكم الشارع: يخرج علي زغبية متأنقا بملبسه الليبي، متكئا على عصا جميلة، كثيرا ما جزرت مشاغباتنا بتؤدة وحنان، حينا يدخل دكان والدي ليتشاغبا حول شؤون السياسة الناصرية، حينا يدخل سوق دكاكين حميد، حيث الجزار موسى سلامة - والد الكاتب المسرحى على الفلاح-، وفي محل سي موسى سلامة كتب لسلامة موسى، وروايات نجيب محفوظ وغيرها، مما يطالعه هذا الجزار الجميل!.

يطل من بعيد رجل مربوع القامة متوسط العمر، يضع على كتفيه "جاكته" شتاء صيفا، كنا نهابه ففي عرفنا أنه الفيلسوف، كل ممسوس بالفلسفة ممسوس!، هو محمد زغبية من لن أعرف عنه في مقتبل العمر، غير ذكرى الطفولة والصبا هذه، في غبش الذاكرة سمارة داكنة ومحيا صارم وجدية عابثة، ولم يكن لخالد زغبية محط في معارج ذاكرتي، في شارعنا في حي الصابري عرجون الفل كما يردد الغياطة وسيغني محمد حسن، الصابري المنشأ. وفي تيه ما بعد الحرب، تاه محمد زغبية في فيافي العقل الجموح، العقل الذي تشده عقول وعقود، عن آفاقه التي لا يحدها حد، في فيافي هكذا غاص وأقرانه:عبد العظيم المهدي الحداد، حسن مخلوف، محمد حمي، مصطفى الشيباني...

كأن الشغف بالتذكر من دواع التبطل، فإن محمد زغبية لم يدق أبواب مقتبل العمر المشرعة، لكنه دك أبواب آواخره، وقد قعدت متقاعدا متقرفصا، أفتش في ثنايا دكانة الأمس، وقيل وردد والدي: أن صاحب الدكان إن أفلس يفتش سجل الديون.
كأن الشغف بالتذكر، لدفع ديون تراكمت ووجب سدادها، قبل أن يغرب العمر أو هكذا ظننت، فمن سنوات أخذت في تقليب، ما اصفر من ورق خريف العمر، هذه مجلة "الضياء" التي أصدرها الصحفي والمؤرخ "عمر الأشهب"، تلك مجلة "النور" للصحفي "عقيلة بالعون"، ما أصدرها بعد إغلاق مجلة "عمر المختار" ومجلة "ليبيا"، مما أصدرت جمعية "عمر المختار" برئاسة "مصطفي بن عامر"، وقد كان "محمد الصابري" رئيس تحرير جريدتها "الوطن".

قلبت المدونة:
ومما سرقت الصحف من الزمن فأبقت، وجدت محمد زغبية كاتبا مثقفا بالإيطالية والعربية، قدم وعرف وحلل نظرة فيلسوف الجمالية الإيطالي" كروتشه "، ذلك في العقد الرابع من القرن المنصرم، مبينا أهمية مفهوم الجمالية في فلسفة كروتشه، التي تحلل علم الجمال وتبوب الجمال المكانة الأولى والأخيرة في الكتابة الإبداعية، باعتبار أن الإبداع عمل جمالي محض، وأن محتواه من مقتضى الحال، فالكتابة الشعرية كتابة جمالية لا تستهدف هدفا فذاتها هدف. لذلك شارك محمد زغبية، في مناقشة كانت حامية الوطيس، حول مفهوم الفن والشعار الذي غطى المرحلة بمعطفه على شكل سؤال: الفن للفن أم الفن للحياة؟، باعتباره يكن لفلسفة الجمال بمكمن وسابر لأغوار مفاهيمها، فإن الفن عنده فن أولا وأخيرا، الفن قبل الأخلاق، حيث الأخلاق أيدولوجيا فهم الحياة، ورؤية لسلك شعابها، فيما الفن كما الصرخة الأولى، بريئة من كل معنى قبلي.

واهتم لذلك محمد زغبية بنظرية الفن، قبل وبعد اهتمامه بنظرية للحياة، كما سوف يتغى شعراء الحداثة الأولى كالشاعر خالد زغبية أخيه، وابن حيه محمد المطامطي والمذيع، أو من كنت أسمع صوته صبيا في الراديو، ومن طرق ذهني الحديث عنه، وهو يتردد على أخته في الصابري بشارع الدرناوي، المطماطي الشاعر، الذي ترك الشعر للدبلوماسية ما لم تعطه ما أعطاه الشعر ما أعطاه عرجون الفل، خالد ومحمد هذان من كتبا قصيدة الفن للحياة، وإن لم يعطيا الظهر لنظرة محمد زغبية الجمالية.

لم يكتب:
أو تحديدا لم ينشر الكثير، كان ضائعا في متاهة الشفاهي وعلى عجل، لم أجد له فيما قلبت من ورقات الزمان غير القليل، لكنه من القليل الذي يكفي، فما كتب في نظرية الفن، كان من جهة بحثا دؤبا ومكثفا، ومن أخرى ينبيء عن مطلع عارف شغوف حر.
عنده أطروحة الفن، وكما أسلفنا، ليست بحاجة لأي اعتبارات خارجية ومداهنة، الفن فوق الأخلاق، حيث الأخلاق أعراف وتقاليد ومعارف سالفة، الفن خليق بأخلاقه، فالجمال ينبوع الذات الذائقة، التي ليست بحاجة إلى من يقننها ويحوزها ويقولبها، وكأن الفن عنده رديف الذات الحرة. وقراءة شغل محمد زغبية القليل، ستبين المصادر والمرجعية لنظرة خليفة التليسي الجمالية، من ناحية مصادرها غير العربية، فبينهما وشائج قد تكون غير مباشرة، لكن تمكنهما معا من اللغة الإيطالية، فاحتكاكهما بالثقافة الإيطالية، جعلاهما يعبان من نبع واحد صاف، تتعدد وتتنوع مصابه، لكن يشف عن مشتركاته.

إن محمد زغبية كما غيره، لا يستحق منا هذا الجفاء، ونستحق بنسيانه هذا الخسران الذي وجب أن نتداركه قبل فوات الآوان، يا أصدقاءه وأخوته وأبناءهم ومحبيه، يا كل من عنده الوطن وثقافة الوطن عزيزان، اجمعوا وأصدروا على حسابكم الخاص، هذا القليل العميق ما كتب.