Atwasat

نقد أم سخط؟

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 17 يناير 2021, 08:28 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

من المهم جدا أن نقف وقفات مراجعة ونقد لتاريخنا السياسي القومي والوطني (بالذات تاريخنا المعاصر والراهن).. أن نشخص عللنا وأمراضنا بحزم، وأن نتفحص قدراتنا وإمكانياتنا بدقة، ونضعها موضعها الصحيح. ينبغي أن نكون صادقين مع أنفسنا من أجل أن تنشأ الأجيال الجديدة وهي على وعي بماضيها وحاضرها وكينونتها، كي تتمكن من التعامل مع حاضرها وتحديد مسار مستقبلها.

في إطار النقد الموضوعي الصادق مع النفس، وإن كان قاسيا، تأتي كتابات عبد الواحد حركات. لكنني أرى أن غضبه (بل سخطه) على ما نحن عليه يخلق عنده، أحيانا، حماسا بالغا يحرفه عن الموضوعية المبتغاة.

اختار عبد الواحد حركات لمقالاته الأخيرة عنوانا ناظما هو "ما لا يقال..". فهو يبتغي كسر الصمت المضروب حول بعض المسائل، والكلام عن المسكوت عنه وتوجيه عيوننا نحو ما نغض أنظارنا عنه. وهنا أريد أن أتعرض بالنقاش إلى بعض النقاط التي وردت في مقاله الأخير "ما لا يقال.. فشل السياسة" فهو يشيطن القول بأن ثمة مؤامرة على الوطن العربي من قبل القوى الاستعمارية حيث يقول "كيد الآخرين والمؤامرة مجرد وهم وشيطان أطلقه العروبيون من قمقمه وتورطت فيه الشعوب، إبان ترسيمهم لهوية ما بعد الاستعمار". أنا أيضا ضد تحميل فشلنا وقصورنا على المؤامرات الاستعمارية. لكنني، أيضا، أعتبر أن المؤامرات موجودة وأنها مؤثرة في مسار أوطاننا. أنا أؤمن أن المؤامرات ليست هي التي تحرك التاريخ، ولكنها عامل فاعل في التاريخ، إلى جانب عوامل أخرى حاضنة. وفي هذا السياق أريد أن أذكر بشعار "بناء شرق أوسط جديد" الذي رفعته الحكومة الأمريكية على لسان وزيرة خارجيتها حينها غونزاليزا رايس.

وهو يجعل هذا الفهم سببا في الانخراط الانفعالي، كما يعبر "في معسكر الشيوعية والتجند الطوعي في سرب الاتحاد السوفيتي، كتعميق لهوس رد الفعل ضد الدول الاستعمارية وأخذ ثأر معنوي لجرائم المستعمرين، فأذهان العروبيين وعيونهم السياسية لم تكن ترى سوى النصف الفارغ من زمن الاستعمار".

لكنه يتناسى أن الأنظمة السياسية العربية (مصر والعراق وسوريا والجزائر وليبيا، تحديدا) لجأت إلى الاتحاد السوفياتي في بعض المشاريع التنموية والتزود بالسلاح لأن الدول الغربية امتنعت عن التعامل معها في الخطط التنموية الوطنية. فمصر عبد الناصر، وهي رائدة في هذا المجال، لجأت إلى الاتحاد السوفياتي بعد أن رفضت أمريكا تمويل مشروع السد العالي. كما أن الاتحاد السوفياتي كان يمول بعض المشاريع بشكل متساهل جدا. كأن يطلب تسديد ديونه من إنتاج المصانع التي ينشئها في البلد المعني. مثلا طلب أن يسدد دين مصنع الألمنيوم في مصر بحلوان من إنتاج المصنع. أنا أعتقد أن الدول العربية المذكورة أعلاه كان موقفها من الاتحاد السوفياتي يتدرج من العداء شبه المستتر إلى قدر عالٍ من التحفظ. فكان تعاملها معه يكاد يقتصر على التزود بالسلاح، مع أنها تفضل الأسلحة الغربية، إلا أن الغرب كان ملتزما بأمن إسرائيل، ولذا لم يكن ثمة مفر من اللجوء إلى الاتحاد السوفياتي. وكانت أول صفقة سلاح لمصر بعد ثورة 1952 جاءت من الاتحاد السوفياتي عن طريق تشيكوسلوفاكيا سنة 1955 وكانت قيمتها أكثر من 250 مليون دولار من الأسلحة السوفياتية الحديثة، آنذاك. لم تكن هناك إيفادات حكومية لطلبة إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية في مجال العلوم الإنسانية، خشية التأثر بالفكر الشيوعي. أي أن علاقة هذه الدول بالاتحاد السوفياتي كانت مصلحية وانتهازية محضا، ولم تكن على أسس مبدئية وفكرية. كما ينسى عبد الواحد حركات المحاولات الجادة من بعض الدول التي سعت إلى النأي بنفسها عن الاستقطاب الثنائي بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، بتأسيسها كتلة عدم الانحياز التي بادر بتأسيسها جمال عبد الناصر إلى جانب تيتو ونهرو، وانضمت إليها العديد من الدول العربية، ونمت وأصبحت كتلة مؤثرة في السياسة الدولية.

وفي موقع من مقاله هذا يخفف إلى حد ما من غضبه على العروبيين بالقول "لا يفترض منطقيا صب جام سخطنا على العروبيين". لكنه يعود عن هذا اللين في الجملة التالية مباشرة، حيث يقول "وإن كان ذلك سيحدث فبسبب عبثهم الدعائي بقضية الشعب الفلسطيني وتحويلهم القضية إلى قميص عثمان لشرعنة عبثهم الثورجي..!". وبغض النظر عن حدة اللغة المستخدمة هنا فأنا أتفق معه في أن الأنظمة القومية العربية [وأنا أفضل هذا المصطلح بدل مصطلح العروبية الذي يبدو أنه يحمل نبرة استهانة] العسكرية اكتسبت رضى وقبولا شعبيا بسبب تنصيب إسرائيل ومأساة الشعب الفلسطيني، وأرى أن معالجتها للوضع كانت قاصرة، بل وكارثية. لكن يبدو لي، من جانب آخر، أنها دعمت إلى مدى بعيد النضال المسلح للشعب الفلسطيني، وساهمت، من خلال النشاط الدبلوماسي، في الاحتفاظ بالقضية الفلسطينية حية في الضمير الإنساني العالمي.

ثمة نقطة أخرى أعتبرها إطارية من حيث الظروف التاريخية التي نشط في سياقها التيار القومي العربي. فبالإضافة إلى تنصيب إسرائيل على الأرض الفلسطينية، تميزت حقبة الخمسيسنيات والستينيات، وحتى السبعينيات، بظهور حركات التحرر الوطني والقومي في العالم غير الغربي. ومن هنا كانت الحركة القومية العربية حركة تحرر وطني.

أكتفي بما ذكرت. إلا أنني أريد أن أختم بتوجيه سؤال إلى عبد الواحد حركات، وهو:
لماذا هذا السخط الوحيد الجانب الذي صبه على الأنظمة القومية العربية، غاضا الطرف عن الأنظمة الأخرى؟. هل الأنظمة الأخرى أفلحت في إنجاز شيء مما يطمح إليه عبد الواحد حركات؟.