Atwasat

الفصل بين الدين والدنيا (2-2).

محمد خليفة 6 أيام
محمد خليفة

ثانيًا. الفصل بين الدين والدنيا عند غير المسلمين.

الاعتقاد بأن الدولة الأوربية "دولة مدنية" اعتقاد خاطئ. في التصور الأوربي الدولة إله (عند هوبس وهيجل مثلاً). فما زالت أوربا حتى يومنا هذا فضاءً لتعدد الآلهة، مثلما كانت أيام الإغريق والرومان. كل ما تغير وتطور في أوربا هو نوع الأصنام، التي تُنحت الآن في عالم الفكر بدلاً عن عالم الحجر. ولذا كانت الدولة عند نيتشه مجرد "صنم جديد"؛ صنم نظري يضاف إلى عالم الآلهة المتعددة (أوربا). والمشكلة من وجهة نظري ليس في تعدد الآلهة شمال المتوسط، وإنما في تبعية جنوب المتوسط لشماله في عالم الأفكار، بما في ذلك فكرة الدولة-الإله"!

1) أوربا فضاء متعدد الآلهة.
بين الحضارة الإغريقية والنهضة الأوربية في العصر الحديث تاريخ طويل (ألفا سنة) سأوجزه للقارئ حتى يدرك أن الدولة الأوربية صنم جديد نحته الفنان/الإنسان الأوربي في عالم الأفكار. الألفا سنة محل الإيجاز تبدأ بتأليه المسيح وتنتهي بتأليه الدولة، مرورًا بآلهة أخرى أنتجها اللاهوت السياسي الأوربي عبر تاريخه الطويل.

أ‌) المسيح الإله. المسيح بن مريم عليه السلام بشر عند المسلمين، وإله عند المسيحيين. ولا يقف الأمر عند هذا الحد فالمسيح له في الميثولوجيا المسيحية جسدان؛ الجسد الأول هو جسده الإنساني، والجسد الثاني هو جسده الروحاني.
جسد المسيح الروحاني هو الكنيسة باعتبارها الهيكل الذي يقيم فيه الروح القدس. وفي هذا الباب جاء في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس:" أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم، ومن يفسد هيكل الله يفسده الله، لأن هيكل الله، الذي هو أنتم، مقدس"!

والإجراء التأسيسي لهذا الهيكل أسمه "التعميد" الذي يقوم على غمر المعمّد في الماء وإخراجه منه باسم الأب والابن والروح القدس؛ ففي رسالته للرومان يقول بولس: "هل تجهلون أننا نحن الذين تم تعميدنا في عيسى المسيح أننا في موته قد تعمّدنا؟ لقد ضمنا التعميد إلى موته حتى نقوم مثل المسيح بمجد الرب، وبالمثل نسير نحن كذلك في حياة جديدة"! "لقد تم تعميدنا جميعاً لنكون جسدًا واحدًا.. لقد ضمنا جميعًا روحاً واحدًا"!

هذا الجسد الواحد (الروح الواحد) هو الكنيسة، وعلى رأس الكنيسة البابا، بصفته خليفة بطرس، الذي قال له المسيح-الإله: "سأعطيك مفاتيح مملكة السماء؛ فمهما تعقد في الأرض فهو معقود في السماء، ومهما تحل في الأرض فهو محلول في السماء". وفي هذا السياق تساءل أحد الباباوات: "أيعجز من يملك مفاتيح مملكة السماء عن أن يسوي مشاكل الأرض؟".

الكنيسة هي جسد المسيح-الإله الذي يتوحد فيه المسيحيون، وهي الهيكل الذي يقيم فيه الروح القدس، وبذا تكون الكنيسة الصنم القديم الذي جاءت الدولة لتحل محله بصفتها الصنم الجديد. الانتقال من الكنيسة (الجسد الروحاني) إلى الدولة (الجسد السياسي) يمر عبر "الوطن" باعتباره (في ثيولوجيا السياسية الأوربية) الجسد الثاني للملك ، مثلما كانت الكنيسة الجسد الثاني للمسيح.

ب‌) الملك الإله. وله بهذه الصفة جسدان. وبهذا العنوان "الملك له جسدان" ظهر مؤلف لإرنست كانتوروفيتش سنة 1957، وفيه يدرس المؤلف اللاهوت السياسي في أوربا العصر الوسيط. في تلك الحقبة كان لقب الملك يتحول من "صاحب السمو" إلى "صاحب الجلالة". وهذا الأمر كثير الشبه بفرعون وهو ينتقل من الربوبية العليا (أنا ربكم الأعلى) إلى وحدانية الألوهية (ما علمت لكم من إله غيري)! فالملك له جسد يمرض ويضعف هو جسده البشري، وله جسد سياسي لا يفنى ولا يعتريه الضعف وهو المملكة أو الوطن، ومن هنا كلما مات الملك سمع أهل مملكته صيحة "مات الملك.. عاش الملك"، للتأكيد على أن موت الملك لا يعني موت المَلَكية التي تنتقل للوريث سليمة من كل عيب ومعافاة من أي مرض. في ذلك العصر شرّعت الكنيسة عبادة جديدة قوامها "الموت في سبيل الوطن" Pro Patria Mori!

ومثلما كانت الكنيسة "جسد المسيح" الروحاني du Christe Le corps mystiqueفي اللاهوت المسيحي القديم، أصبح الوطن هو الجسد السياسي للملك، في لاهوت السياسة لإوربا العصر الوسيط. ومع النهضة بدأ هوبس التنظير لإله جديد أسمه "الدولة"، ليكون مصدرًا بديلاً للمشروعية التي كانت الكنيسة مصدرها حتى ذلك الحين.

ج) الدولة الإله. مع الحداثة أصبحت الدولة مصدرًا للمشروعية التي كانت الكنيسة مصدرها قبل ذلك. وحيث لا يكون مصدر المشروعية إلا إلهً أخفى مفكروا أوربا إلهية الدولة ، ولم يعلنوها على الملأ، بل دسوها دسًا في كتاباتهم بحيث لا يطلع عليها إلا باحث مدقق من نوع فريدريش نيتشه (1844- 1900).

صاحب نظرية الدولة توماس هوبس (1588- 1678) كتب في مؤلفه "ليفايثان" ما ترجمته: "الدولة هي الإله الفاني الذي يوفر لنا السلام والحماية في ظل الإله الباقي "! إله هوبس يتكون بالعقد الاجتماعي وتقتله الحرب الأهلية، أما هيجل (1770- 1831) فيقول دعك من "العقد الاجتماعي" القائم على الإرادة الاعتباطية للأفراد، وتأمل الدولة مجردة عن كل مظهر! الدولة: "هذا العقل الذي يحقق ذاته كإرادة... هذا الإله المتحقق بذاته في الواقع.."!

بعد هيجل جاء نيتشه وأفرد لنقد فكرة الدولة فصلاً في كتابه "هكذا تحدث زرادشت". وليس مصادفة أن يكون العنوان الذي اختاره الناقد الألماني لهذا الفصل هو "الصنم الجديد"! وتسخيفًا لمن يأخذ رأي هوبس وهيجل قال نيتشه: "سيعطيكم كل شيء.. إذا عبدتموه.. الصنم الجديد"! وفي هذا السياق ليست مصادفة أيضًا أن يقرر نيتشه أن منهجه هو "التفلسف بالمطرقة"، لأن أصنام الفكر الأوربي التي تجد جذورها الأولى في "مُثل أفلاطون" لا يمكن علاجها بغير المطرقة!
2) الدين والدولة في عالم متنازع الآلهة!

بالرغم من صعوبة الموضوع وتعقيداته إلا أن من الضرورة بمكان معالجته في سبيل تبيان كيف تم الفصل بين إلهين يتنازعان الدين والدنيا في أوربا. في فرنسا سُويَّ هذا النزاع بجعل الدولة إله الدنيا، والكنيسة إله الدين. لكن هذا الحل الفرنسي لا أثر له في بريطانيا حيث الملك/الملكة هو رأس الدولة والكنيسة معًا منذ سنة 1534. والحل في الولايات المتحدة الأمريكية مختلف عن الحلين البريطاني والفرنسي، إذ حرّم الدستور الأمريكي على الكونغرس التدخل في الشأن الديني وانتهى الأمر.

من يعبد الله الذي لا إله غيره غير معني بحلول لنزاعات عالم تعدد الآلهة، لكننا مرضىى بالتجربة الفرنسية، ولا نعتقد أن هناك حلا لمشاكلنا المزمنة إلا في فرنسا أو أوربا. ويبدو هذا واضحًا في التجربة التونسية المعاصرة، لاسيما عند أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور، الذي يصف دولة الحداثة في تونس بالقول: "... تحول التركيب الدستوري من منوال دولة الإسلام إلى منوال إسلام الدولة، وشتان ما بينهما. وهذا المنوال يعني في حقيقته: لا دين فوق الدولة، بينما يعني الأول: لا دولة فوق الدين".
الدولة فوق الدين من مقتضيات ألوهية الدولة، فالدولة في تونس تحل المحرم (الربا والزنا والقمار وشرب الخمر)، وتحرم الحلال، بل تحرم الواجب (الصلاة في المساجد، وتحجب النساء، وإنشاء صناديق لجمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها، وإنشاء أحزاب إسلامية).

هذا هو معنى أن تكون الدولة إلهًا: أن يحدد بورقيبة باسم الدولة المشروع وغير المشروع سيرًا على النهج الفرنسي. الدولة-الإله هي الدولة التي تلغي "لا إله إلا الله" التي معناها القانوني لا مصدر للمشروعية إلا الله. الدولة الأوربية التي يعتقد البعض أنها دولة مدنية هي إله مع الله، هي الإله الثاني، الإله الفاني، مثلما صرح هوبس.

ومن يأتي بحل (من فرنسا أو أوربا أو أمريكا) لمشكلة لا توجد عندنا أصلاً، يخلق مشكلة جديدة لم تكن معروفة من قبل، ويزيد تعقيدات تخلفنا تعقيدًا من حيث يعتقد أنه يساهم في تجاوز التخلف.

الفصل بين الدين والدنيا في الإسلام والشريعة الإسلامية لا يمس وحدانية الله، بينما الفصل بين الدين والدنيا في التجربة الأوربية نتاج لنظام سياسي قائم على تعدد الآلهة (المسيح، الكنيسة، الدولة). وجوهر الحل الفرنسي هو الفصل بين آلهة متعددة (الكنيسة والدولة)، وهذا التعدد في باب الألوهية لا تقوم للإسلام قائمة إلا على نفيه، فلماذا بربكم الإصرار على الحل الأوربي إذا كان أصل الإشكال الأوربي غير موجود عندنا؟!

الهوامش:
1. The King's Two Bodies: (A Study in Mediaeval Political Theology) Princeton University press
2. ارنست كانتورفيتش (E. Kantorowicz) صاحب كتاب "الملك له جسدان" من اليهود الذين فروا من ألمانيا إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي.
3. بالمناسبة؛ الدولة في اللاتينية أسم علم مذكر L'Etat.
4. الحضارة الأوربية-الغربية حضارة سرية حتى اليوم، وإن اعتقدنا خلاف ذلك.
5. Mortal God
6. Immortal God
7. هيجل من الذين يجعلون من العقل إلاهًا. هذا الإله يأخذ صورة الدولة، فإرادتها من إرادته أو هي إرادته التي تظهر في "التاريخ" الذي منتهى تطوره "الدولة الليبرالية" التي تصورها "نهاية التاريخ" أي نهاية التطور البشري. وهذه الفروع كلها لها أصل واحد: (عقيدة وحدة الوجود).
8. لقد أدرك الشيخ راشد هذه الحقيقة عندما قال: الدولة في تونس كنيسة؛ مثل الكنيسة التي ثار عليها الناس في أوربا.